تشكيل الحكومة ليس نهاية القطوع
نريد ان نصدّق ان الاتفاق قد تمّ بين الرئيس المكلّف سعد الحريري وبين مختلف الافرقاء على الساحة اللبنانية لتشكيل الحكومة العتيدة، وانه تمت عملية توزيع الحقائب على قاعدة الصـيغة التي اتفق عليها لتكون ستاراً لحقيقة عدم الثقة القائمة بين المتشاركين في حكومة «الوحدة الوطنية»، لانه لو كانت الثقة موجودة لكانت صيغة الثلث المعطّل المقنّع قد طارت بفعل الثقة المتبادلة، وحلّ محلها التعاون الحقيقي القائم على شراكة حقيقية، وليس على شراكة يستولي البعض فيهـا على نصـيبه ونصيب غيره، ويتدخل في شؤون غيره ويـرفض ان يتـدخل احـد في شؤونه، يشارك الكل ويمنع على اي كان ان يشاركه، ومع ذلك يصرّ على وصف الحكومة – اذا تـشكلت – بحـكومة الشراكة والوحدة الوطنية، وهي من الاثنين براء الا بتهمة الاسم، ولكن بعد التصديق ان الحـكومة تشـكلت، يقع الهمّ مجدداً في ركاب اللبنانيين، بأن تبقى الحكومة الجديدة، حكومة تصريف اعمال لمدة زمنية اخـرى، لا يعرف سوى الله متى نهاية شدّتها، وهي المدّة التي سيستغرقها الجدل بين «الشركاء» في الحكومة ليتفقوا على مضمون البيان الوزاري، وما ادراك ما هي المطبّات التي ستعوق ولادة هذا البيان، خصوصاً ان عمر هذه الحكومة – ومجـدداً اذا تشـكلت – لن يـقلّ عن اربع سنوات، وفق ما تؤكد اوساط عليمة بالتشكيل، هذا اذا لم يؤدِّ الخلاف على البيان الوزاري الى تطيير الحكومة، قبل نيلها ثقة مجلس النواب، واذا عدنا الى تصريحات بعض نواب وقياديي 14 آذار، او الى البرنامج الانتخابي شبه الموحّد لهذا التكتل، نستطيع ان نلمس مدى اتساع الفجوة بينهم وبين تكتل 8 آذار حول العديد من الامور والقضايا الاساسـية التي يجـب ان يعالجها البيان الوزاري، وان يضع لها حلولاً، او خريطة طريق لهذه الحـلول.
* * * * *
من هذه القضايا الاساسية، الخلاف حول سلاح المقاومة، ونظرة كل فريق الى مستقبله، ففي حين يرفض حزب الله، أن يشاركه احد في هذا السلاح، حتى ولو كانت الدولة، يصرّ حزبا الكتائب والقوات اللبنانية واحزاب وشصيات اخرى على ان يكون حق عصمة السلاح وحق الحرب والسلم بيد الدولة وباشراف الجيش اللبناني، وليس بأي يد اخرى.
ويأتي في الاهمية الثانية التي يجب ان يتصدى لها البيان الوزاري موضوع السلاح الفلسطيني الموجود في معسكرات خارج المخيمات، والموجود بكثرة وباحجام غير معقولة داخل المخيمات التي تحولت بدورها الى معسكرات وبؤر للتوتر، ويمكن لاطراف عديدة، وفي مقدمها اسرائيل، ان تستغلّ وجود هذا السلاح لتوظفه في اهداف ليست في مصلحة لبنان ولا في مصلحة الشعب الفلسطيني، وقضية اطلاق الصواريخ من لبنان خير مثل على هذا، دون ان ننسى حرب مخيم نهر البارد، والكلام عن تواجد اصولي كثيف مشبوه في عدد من المخيمات.
الموضوع الثالث الملتهب، هو قضية اللبنانيين الموجودين في السجون السورية، او اولئك الذين انقطعت اخبارهم ولايعرف اذا كانوا احياء او اصبحوا في ذمة الله، اضافة الى اللبنانيين الذين لجأوا الى اسرائيل في العام 2000 بعد تحرير الجنوب، ولم تستطع الدولة بعد 9 سنوات ان تجد لهم الحلول التي تساعد على لمّ شمل الاف العائلات، كما يبقى في موضوع الامن والسلاح والتعدّيات، ضرورة التوافق في حكومة «الشراكة»، على وقف اعمال الغزو والخطف والقتل التي تحدث بين الحين والآخر ويذهب ضحيتها مواطنون ابرياء.
* * * * *
اذا قيّض لوزراء الوحدة الوطنية، ان يتخطوا في البيان الوزاري هذه العقبات الصعبة ويتفقوا عليها، تبرز امامهم عقبات اخرى مهمة، كمثل الاتفاق على تنفيذ بنود دستور الطائف، من حيث تحقيق اللامركزية الادارية الموسعة، وانشاء مجلس الشيوخ، والنظر في امكان اجراء تعديلات دستورية، ووضع قانون عادل ومتوازن للانتخابات، وابعاد لبنان عن سياسة المحاور، والسياسة الاقتصادية والتربوية، والخصخصة، والتزام لبنان بالمواثيق والقرارات الدولية.
في حسابات المحللين والمتابعين، ان هذه القضايا وغيرها، وهي صعبة ومعقدة، لن تكون مقاربتها والتفاهم حولها، عملية سهلة، ولنا في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الحالية، خير دليل على ذلك، وهي التي استغرقت وقتاً طويلاً ليتم التفاهم على مبدأ سلاح المقاومة، على الرغم من ان اجتماعات الدوحة كانت قد سهّلت كثيراً هذا الأمر، ولذلك فانه من المتوقع ان تواجه البلاد والحكومة قطوعاً جديداً في حال تم تجاوز قطوع تشكيل الحكومة، هو قطوع انجاز البيان الوزاري.