
تقرير أوروبي: ست هزائم أضعفت سوريا في لبنان والمعارضة تستطيع التعطيل لا التغيير
جاء في تقرير خاص أعده جهاز ديبلوماسي تابع لوزارة الخارجية في دولة أوروبية بارزة، استنادا الى معلومات حصل عليها واضعوه من بيروت ودمشق والقاهرة وعواصم أخرى، ان عملية تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة سعد الحريري والاتصالات الداخلية والخارجية المرتبطة بها، أظهرت أربع حقائق أساسية ومهمة، أبرزها ان موازين القوى على الساحة اللبنانية ليست لمصلحة سوريا، نتيجة مجموعة هزائم ونكبات واجهها نظام الرئيس بشار الاسد، وان المعارضة عاجزة عن تغيير الاوضاع لمصلحتها، سواء بالوسائل العسكرية او السياسية، وأن حلفاء دمشق وطهران ليسوا قادرين على نسف او تجاوز نتائج الانتخابات النيابية التي أجريت في السابع من حزيران الماضي وأسفرت عن انتصار واضح للقوى الاستقلالية ولسياساتها وتوجهاتها".
هذا ما أدلت به لـ"النهار" مصادر ديبلوماسية أوروبية وثيقة الاطلاع على الملف اللبناني. وأوضحت ان هذا التقرير الديبلوماسي الاوروبي ركز على النقاط الآتية:
أولا – ان موازين القوى السياسية والشعبية في لبنان ليست لمصلحة سوريا وايران، خلافا لما يحاول ترويجه نظام الاسد وحلفاؤه، بل ان موازين القوى هي لمصلحة الاستقلاليين الذين يمثلهم فريق 14 آذار وحلفاؤه والرئيس ميشال سليمان الاستقلالي التوجهات والذين يتمتعون بتأييد الغالبية الواضحة من اللبنانيين وبدعم دولي وعربي واسع ومؤثر يكتشفه المسؤولون السوريون في اتصالاتهم العربية والدولية المختلفة، فسوريا ليست قادرة على ان تحكم لبنان أو أن تدير شؤونه كما تريد وكما كان الحال سابقا، وحملاتها المستمرة، المباشرة وغير المباشرة، على القوى الاستقلالية دليل ضعف وليست دليل قوة. وفي رأي أحد كبار مستشاري الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي "ليس لسوريا التأثير الذي يعطيه اياها البعض على الحياة السياسية اللبنانية".
ثانيا – النفوذ الذي يتمتع به نظام الاسد في لبنان ناتج من اعتماده على سلاح "حزب الله" وعلى قدرة حلفائه على التعطيل والتأزيم وعلى امكان استخدام القوة المسلحة في الصراع السياسي الداخلي، كما حصل في ايار 2008، وليس ناتجا من حصول النظام السوري على شرعية لبنانية أو عربية او دولية للتدخل في شؤون هذا البلد أو لفرض وصاية عليه. لكن تجارب السنوات الاربع الاخيرة أثبتت ان الاعتماد على السلاح وعلى استراتيجية التعطيل والتأزيم لم يؤمن أي مكاسب سياسية حقيقية لنظام الاسد، سواء في لبنان أو في اطار علاقاته مع الدول العربية والاجنبية البارزة، كما انه أدى الى هزيمة حلفائه في الانتخابات الاخيرة.
ثالثا – المعارضة ليست قادرة على تغيير الاوضاع في لبنان لمصلحتها ولمصلحة المحور السوري – الايراني، سواء بالوسائل العسكرية او السياسية. فاستخدام السلاح لتحقيق هذا الهدف يقود الى حرب أهلية يخسر فيها الجميع ولن يمنح أي فريق القدرة على فرض سيطرته على البلد. كما ان الاعتماد على الوسائل السلمية والشرعية لن يسمح لفريق 8 آذار بتغيير الاوضاع لمصلحته لانه أقلية سياسية وشعبية ولأن اللبنانيين يرفضون في غالبيتهم الواسعة سياساته وتوجهاته.
رابعا – المعارضة ليست قادرة، كما تتمنى، على نسف نتائج الانتخابات النيابية الاخيرة او تجاوزها عبر التهديد بمنع تشكيل حكومة وحدة وطنية اذا رفضت الغالبية الرضوخ لها والاستجابة لمطالبها وشروطها المتشددة بل التعجيزية. ذلك ان تشكيل حكومة وحدة وطنية ليس جائزة ترضية أو مكافأة للفائزين في الانتخابات بل انه حاجة وطنية ومطلب جميع اللبنانيين، لأن مثل هذه الحكومة تعزز السلم الاهلي وتؤمن الشركة في الحكم وظروفا افضل لإدارة شؤون البلد. ومن هذا المنطلق فان إقدام المعارضة على عرقلة تشكيل حكومة وحدة وطنية يصطدم بارادة الشعب اللبناني مما ستكون له انعكاسات سلبية على علاقاتها مع الكثير من اللبنانيين. وفي المقابل، لن يستطيع النظام السوري تحقيق أي مكاسب عربية أو دولية من خلال تشجيع حلفائه على التشدد، بل ان موقفه هذا يعرقل تحسين علاقاته مع دول عدة بارزة ومؤثرة.
"لم يسجل انتصاراً واحداً"
وذكرت مصادر ديبلوماسية أوروبية وعربية وثيقة الاطلاع ان نظام الاسد يحصد نتائج وذيول مجموعة هزائم ونكسات سياسية وشعبية واجهها او تعرض لها في لبنان. ولاحظ ديبلوماسي أوروبي بارز ان "نظام الاسد لم يسجل انتصارا حقيقيا واحدا في لبنان منذ دخوله عام 2004 في مواجهة مع الغالبية من اللبنانيين الرافضين لاستمرار الهيمنة السورية على بلدهم ومع المجتمع الدولي والمجموعة العربية. بل ان حصول حلفاء النظام السوري على الثلث المعطل في حكومة فؤاد السنيورة بعد اتفاق الدوحة لم يشكل انتصارا حقيقيا لدمشق، ذلك ان المعارضة عجزت عن اجراء أي تغيير لمصلحتها، ثم خسرت انتخابات السابع من حزيران الماضي". ومن الضروري التوقف عند الهزائم والنكسات التي تعرض لها نظام الاسد لفهم سياساته الحالية حيال لبنان بشكل أفضل وهي سياسات تعكسها مواقف حلفائه في تعاملهم مع عملية تشكيل الحكومة ومع قضايا أخرى".
أولا – الهزيمة الاولى هي ان النظام السوري دفع، بشكل او بآخر، ثمن اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، اذ ان لجنة التحقيق الدولية ركزت وتركز جهودها على دور سوريا وحلفائها في هذه الجريمة الارهابية. كما أن نظام الاسد فشل في عقد صفقة مع أي دولة لمنع المحكمة الخاصة بلبنان من ملاحقة ومحاسبة أي مسؤول سوري يمكن ان يثبت التحقيق الدولي بالادلة القوية تورطه في هذه الجريمة. وهذا الواقع يعكس ضعف النظام السوري عربيا ودوليا.
ثانيا – الهزيمة الثانية هي ان نظام الاسد فقد القدرة على الإمساك بلبنان وعلى القضاء على واقعة الاستقلال الشرعي، ذلك انه اضطر في نيسان 2005 الى سحب قواته وأجهزته المخابراتية والامنية من هذا البلد نتيجة انتفاضة شعبية سلمية كبرى ودعم دولي وعربي واسع لها. ولم تطلب أي دولة بقاء القوات السورية في لبنان. والانفتاح الدولي والعربي الحالي على نظام الاسد مشروط ومرتبط باعتماد هذا النظام سياسات بناءة وايجابية حيال لبنان وقضايا المنطقة عموما. كما قال ديبلوماسي أوروبي مطلع "أن نظام الاسد هو الذي أخطأ في الحساب وفي التصرف، اذ رفض الاستجابة لنصائح أميركية وفرنسية وعربية ودولية قدمت اليه منذ عام 2003 بسحب قواته وأجهزته المختلفة من لبنان بقرار سياسي كبير يتخذه، مما يساعد على اقامة علاقات طبيعية وقوية بين لبنان وسوريا على أسس جديدة مبنية على الاحترام المتبادل لاستقلال كل من البلدين. لكن النظام السوري تجاهل هذه النصائح وفعل عكسها، إذ أصر على إحكام قبضته على لبنان من خلال الإصرار على تمديد ولاية الرئيس اميل لحود صيف 2004 وعلى الدخول في مواجهة مباشرة مع الداعين الى تحرير لبنان من الهيمنة السورية".
ثالثا – الهزيمة الثالثة تمثلت في حصول القوى الاستقلالية على الغالبية النيابية والشعبية في انتخابات عام 2005 ، مما أدى الى ايجاد رأي عام استقلالي واسع وحقيقي في لبنان والى تأمين شرعية لبنانية قوية للدعم الدولي والعربي للبنان المستقل ثم لاحقا للمحكمة الخاصة بلبنان.
رابعا – الهزيمة الرابعة تمثلت في فشل ثلاث محاولات كبرى نفذها حلفاء المحور السوري – الايراني أو مقربون منه من أجل القضاء على القوى الاستقلالية وإضعاف لبنان من الداخل تمهيدا لإعادة ربطه بسوريا: المحاولة الاولى جرت في نهاية 2006 ومطلع 2007 واستهدفت اقتحام حلفاء دمشق السرايا الحكومية في بيروت لاطاحة حكومة السنيورة بالعنف والقوة لانها طلبت تشكيل محكمة دولية. وأُحبطت تلك المحاولة بجهود سعودية وعربية ودولية.
المحاولة الثانية جرت عام 2007 وقام بها تنظيم "فتح الاسلام" الذي تدعمه أجهزة امنية سورية واستهدفت تنفيذ مخطط ارهابي كبير ضد الدولة اللبنانية ومؤسساتها وضد شخصيات عدة انطلاقا من سيطرة هذا التنظيم على مخيم نهر البارد. لكن القوى العسكرية والامنية أحبطت هذه المحاولة بدعم من حكومة السنيورة ومن الغالبية النيابية ومن جهات عربية ودولية عدة.
المحاولة الثالثة جرت في أيار 2008 عندما شن "حزب الله" مع بعض حلفائه هجوما مسلحا على بيروت ومناطق جبلية من أجل إضعاف القوى الاستقلالية الى اقصى حد وفرض سطوة حلفاء المحور السوري – الايراني على لبنان. لكن تحركا سعوديا – مصريا عاجلا مدعوما عربيا ودوليا أحبط هذه المحاولة وأدى الى عقد اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب في القاهرة ضد رغبة دمشق، وهو اجتماع اسفر عن تشكيل لجنة وزارية عربية برئاسة قطر والامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى لمعالجة الازمة اللبنانية. ونجحت هذه اللجنة في تأمين توقيع اتفاق الدوحة الذي ندد باستخدام السلاح والعنف وحظر اللجوء اليهما وفتح الباب أمام انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية وامام تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة فؤاد السنيورة وامام اجراء الانتخابات النيابية التي فازت فيها القوى الاستقلالية.
خامسا – انتصار فريق 14 آذار وحلفائه في انتخابات السابع من حزيران الماضي شكل الهزيمة الخامسة لنظام الاسد، ذلك ان هذا الانتصار أثبت مجددا ان الغالبية الواسعة من اللبنانيين تدعم بوضوح القوى الاستقلالية وترفض اخضاع لبنان للهيمنة السورية، كما ترفض استخدام السلاح والعنف في الصراع السياسي الداخلي. كذلك أظهر انتصار الاستقلاليين ان تحالف "حزب الله" مع العماد ميشال عون أضعف "التيار الوطني الحر" في صفوف المسيحيين وساهم في هزيمة حلفاء دمشق.
سادسا – الهزيمة السادسة هي فشل نظام الاسد في فصل الملف اللبناني عن مسار علاقات سوريا مع الدول العربية والاجنبية البارزة وعلى رأسها اميركا وفرنسا والسعودية ومصر، كما فشل في تقليص الدعم الدولي والعربي للبنان المستقل. فالدول البارزة المعنية ترفض تحسين وتطوير علاقاتها مع سوريا على حساب لبنان المستقل وتربط ذلك باعتماد نظام الاسد سياسات بناءة وايجابية حيال لبنان والقضايا الاقليمية عموما، بما يساهم في تعزيز الامن والاستقرار والسلام في المنطقة.
ولخص ديبلوماسي أوروبي معني بالملف اللبناني الوضع بقوله: "ان النظام السوري يرفض حتى الآن ان يستخلص الدروس الصحيحة والملائمة من هذه الهزائم والنكسات التي اصابته، بل انه يحاول الرد عليها من خلال الايحاء باستمرار بأنه صاحب النفوذ الاوسع في لبنان وبأن حلفاءه هم الاقوى، بقطع النظر عما يقرره الناخبون اللبنانيون. وهذا موقف خاطئ، ذلك ان من الضروري الانطلاق من الحقائق والوقائع والافادة من الاخطاء التي تم ارتكابها ليس من أجل محاولة فرض الوصاية السورية مجددا على لبنان، او من أجل تعميق الهوة بين هذين البلدين، بل من أجل تصحيح العلاقات بين لبنان وسوريا على أساس المصارحة والمكاشفة، والعمل على تحسينها بما يؤمن المصالح المشروعة لكل منهما وليس لأحدهما على حساب الآخر. ويجب، في المقابل، ان يتحرر اللبنانيون فعلا من عقدة الهيمنة السورية ومن هواجس هذه الهيمنة وأن يثقوا بقدراتهم الذاتية وبالدعم الدولي والعربي الواسع لهم ولاستقلالهم وسيادتهم، وأن يتحدوا في التعامل مع نظام الاسد ويتعاونوا معا جديا من أجل اقامة علاقات جديدة مع سوريا متحررة كليا من منطق التبعية ومن سياسة الاملاءات ومرتكزة عى أساس المساواة والندية والاحترام المتبادل الحقيقي لاستقلال وسيادة كل من البلدين. ومن الضروري ان تعكس حكومة الوحدة الوطنية هذه الارادة اللبنانية المشتركة في التعامل مع نظام الاسد بما يؤمّن مصالح لبنان الحيوية والمشروعة وليس بما يضعف هذا البلد ويفرض عليه الارتباط الوثيق بسوريا الى حد قيام علاقات وحدوية معها كما كان الحال في السابق، لان ذلك يتناقض كليا مع ارادة الغالبية العظمى من اللبنانيين سواء انتموا الى فريق 14 آذار او الى أفرقاء آخرين. وتوحيد الموقف اللبناني في التعامل مع نظام الاسد مهمة صعبة، لكنها ضرورية لتحقيق المصالحة التاريخية بين لبنان وسوريا".
بقلم عبد الكريم أبو النصر