#adsense

حقائق من قلب ديمقراطية مجروحة

حجم الخط

حقائق من قلب ديمقراطية مجروحة
المحامي جورج ابو صعب

اغرب ما نعيشه في لبنان حاليا هذا الانقلاب بالمفاهيم والضوابط التي لطالما سيجت المشهد اللبناني منذ قيام دولة الاستقلال الى ايامنا الحالية، وشكلت صمامات الامان لمنع تدهور الاوضاع الداخلية ولبناء التآلف الوطني والعيش المشترك ودولة القانون والمؤسسات.

فكل شيء في لبنان اليوم بالمقلوب سياسيا بدءا من ديمقراطيته التي باتت ديمقراطية حكم الاقلية ولا بل تحكم الاقلية بالاكثرية: صحيح ان لبنان موزاييك طوائف ومذاهب ورسالة تعايش وعيش مشترك، ولكن الصحيح ايضا ان لبنان دولة او هكذا يجب ان يطمح كل لبناني بان يكون بلده. وبالتالي للدولة اركانها ومؤسساتها وقواعدها واصولها. فلا يمكن ان نقبل بانهيار الدولة تحت شعار العيش المشترك، لان هذا العيش المشترك اذا فقد السقف الحاضن والجامع سيحول الارض الى كانتونات طائفية ومذهبية لا جامع بينها سوى بروتوكولات التعاون واوراق التفاهم الجزئية والمجزأة.

فالديمقراطية دعامة الدولة واستمرارها كما الدولة دعامة الوحدة والانصهار والانسجام والعيش المشترك. من هنا لا نفهم من يدعي في فريق 8 اذار امكانية الحفاظ على العيش المشترك والانصهار والانسجام الوطني من خارج تقوية الدولة لا بل من خارج الدولة كليا.

فمن يراقب نهج وتعامل قوى الاقلية مع القضايا المصيرية والوطنية الهامة وفي مقدمتها اليوم تشكيل الحكومة، ينتابه شعور بان هذه الاقلية تبني كل استراتيجيات تحركها على اعتبار الدولة خيار وليس حتمية:

فالمعارضة عندها افضل من خارج المؤسسات وقد اثبتت ذلك في السنوات الماضية من خلال اللجوء الى الشارع بدل اللجوء الى اللعبة الديمقراطية وايجاد التحالفات السياسية ودخول اللعبة البرلمانية.

والمعارضة افضل لها ان تعطل المؤسسات الدستورية بدل ان تدعمها وتحييها لتتبارز من داخلها، وفق الاصول البرلمانية والديمقراطية في سبيل تحقيق افكارها او مطالبها. وقد كان اقفال مجلس النواب لسنة ونيف خير دليل واليوم تعطيل تشكيل الحكومة لدليل اخر وان كل مرة من اطراف مختلفة.

والمعارضة افضل لها ان تقول كلا من ان تقول نعم. فنجد اركانها الاساسيين يسلكون دائما اسلوب السلبية في التعاطي مع القسم الاخر من اللبنانيين، غير ابهين بما يمكن ان يكون لهذا الاسلوب من تداعيات على الوضع باكمله. وقد نصعق اذا قارنا مواقف زعماء الطائفة الشيعية الكريمة في السبعينات بمواقف زعمائها في مطلع الالفية الثانية، حيث كنا نستمع في الاونة السابقة الى خطاب وحدوي لبناني مئة بالمئة يغار على لبنان ومؤسساته وكيانه واستقلاله. ونذكر على سبيل المثال المغفور له الرئيس صبري حماده والرئيس كامل الاسعد وسواهما من ابناء الطائفة الكرام. دون ان ننسى الخطاب اللبناني الشفاف والعذب لسماحة الامام المغيب موسى الصدر، ذاك اللبناني الاصيل الذي ابى الا وان يكون له شرف التضحية بذاته في سبيل ايمانه بلبنان السيد والحر والموحد.

اما اليوم فان زعماء الطائفة الكريمة، او بالاحرى من يمسكون بالشارع الشيعي، فان من يسمعهم، وبالاذن من الرئيس نبيه بري، فكأنه يستمع الى حفنة من الانقلابيين والعبثيين لاهم لهم بلبنان الا مقعد من هنا ووزارة من هناك وحمل البندقية وتمجيد السلاح ومهما تسامت وظيفته ومهمته الوطنية على حساب الدولة والعيش المشترك والوحدة اللبنانية والكيان السيد.

من يستطيع ان ينكر ان قسما من الشيعة ليس لا مع حزب الله ولا مع امل؟
من يستطيع ان ينكر ان ثمة فريقا من الشيعة ليس مع نهج الابتعاد عن الدولة لصالح الدويلة؟

من يستطيع ان ينكر ان في الطائفة الكريمة من ليس مقتنعا بسياسات زعمائها ومع ذلك لايستطيعون لوحدهم شيئا، ما لم يساعدهم اللبنانيون الشرفاء والمخلصون للدولة ولقيام المؤسسات ولحكم الدستور. فمن هنا دعوتنا قوى 14 اذار الى المزيد من التقارب والتنسيق مع تلك الشريحة العزيزة من الطائفة الكريمة من اجل المزيد من التلاحم وانقاذ ما يمكن انقاذه من تيارات شيعية لا تزال تؤمن بالدولة والكيان والمؤسسات والدستور والديمقراطية والانفتاح على الاخر وتقبله وقبوله والاعتراف به وبحقه في التمايز والوجود.

كذلك من يراقب سياسات ونهج العماد ميشال عون في المقلب المسيحي يلاحظ ان هذا النموذج لم يأت بنتيجة ثورة فكرية وطنية او نتيجة ثقافة سياسية ووطنية ضاربة جذورها في تاريخ الازمة اللبنانية. بل جاءت في اغلبها كردة فعل بشرية انية في زمان ومكان ما على وجود مسيحي ضابط ومنظم لطالما حمى الفكر المسيحي الحر والتراث المسيحي الحر وتاريخ الاجداد والبطاركة التاريخيين في هذا الشرق ونعني تحديدا القوات اللبنانية. فمن يتفحص سياسة العماد عون منذ انطلاقته في العمل السياسي العلني والقيادي عام 1989 يلاحظ بان سمات سياسة هذا الرجل ومن يتبعه بنيت على مسلمات ثلاث:

أ‌- العداء المطلق للقوات اللبنانية، انطلاقا من الاستفادة من حالة شعبية لدى قسم من اللبنانييين المسيحيين الذين لم تكن علاقاتهم بالقوات اللبنانية ورموزها التاريخيين كالرئيس الشهيد بشير الجميل منذ زمن بالطيبة والجيدة. وقد اسنحبت النقمة هذه على كل القيادات القواتية بالفطرة لا بالتفكير لدرجة اننا بتنا على اقتناع باننا لو اتينا بابن العماد عون قائدا للقوات اللبنانية، ولو كتب لها عمر في هذه الحالة، لكان العماد سيعادي بالتأكيد ابنه.

فالمشكلة مشكلة رواسب ازمة نفسية عميقة عانى منها بعص المسيحيين فاحسن العماد عون لملمتها ليبني على انقاض تلك الرواسب سياسة تدعي في العلن طرحا جديدا للمسيحيين والحفاظ على الوجود المسيحي، فيما في الواقع تركز معظم اهتمامها على مقاتلة واضعاف القوات اللبنانية ومحاولة القضاء على ذاك المارد المسيحي الذي وصل الى حد اخاف خصومه ايام تسلحه وتنظيمه وباتت معه " الشرقية " حصنا منيعا لا يمكن ان يخرقها الا حصان طروادي مدجج بالغيرة والحقد والطموح لحكم العالم وليس فقط البلاد.

ب‌- المسلمة الثانية وهي مسلمة نسف القيم المسيحية الكنسية التي بنيت عليها المارونية التاريخية والمسيحية الوجودية في هذا الشرق : فاننا لم ننس الهجمة الهمجية من بعض انصاره على سيدنا غبطة البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير عام 1989 والتي باهانته اهان العماد عون قدسية بذته العسكرية يومها كما اهان صميم المعتقد المسيحي والماروني تحديدا ليس في لبنان فحسب بل في المشرق العربي باجمعه.

ت‌- فكانت تلك الهجمة اشبه بهجمة هولاكو التيمورلنكي على ثقافة عواصم الحضارة والقيم في زمانه مع الفارق ان الهجمة المغولية هذه المرة كانت من بعض مغول الطائفة ضد الاب والمرجع والقائد الروحي لهذه الطائفة. كما ان الفارق الثاني ان هولاكو قضى على حضارات وقيم ولكن مغول الطائفة لم يقضوا ولن يستطيع احد ان يقضي على تراث الكنيسة المارونية. فالعماد عون سعى ولا يزال الى تحييد الكنيسة المارونية عن دورها التاريخي الذي كان في اساس قيام الدولة اللبنانية وفي اساس بناء صرح الوطن اللبناني. واليوم عندما يعيب على غبطة البطريرك تدخله في السياسة فانما لا يفعل الا من منطلق ان سياسة هذا الاخير لا تتلاءم مع سياسته. فلو تلاءمت وتطابقت لكان عون من اوائل المشجعين والمدافعين عن تعاطي غبطته السياسة. من هنا فان العماد عون انخرط في لعبة خطيرة ضد رأس الكنيسة لانه بذلك نزع عن نفسه شرعية كنسية مشروعة تشكل صمام امان كل مسيحي في هذا الشرق. وعندما حاول الهروب الى الامام بزيارته " الراعوية " الى سوريا عام 2008 انما فعل ذلك من منطلق محاولة استعادة غطاء ديني مفقود في الوقت عينه الذي كان فيه يحاول توجيه رسالة انشقاق سياسي لرأس الطائفة لابرازه على انه مقصر مع ابنائه في ما وراء الحدود اللبنانية – السورية.

فالدور الريادي والقيادي للبطريركية المارونية لا يعجب الجنرال لان هذا الدور يخطف الوهج السياسي الذي يحاول ان يعطيه لنفسه كاب للطائفة المارونية سياسيا وزمنيا، فيما يريد عزل بكركي وحصرها فقط في دور ديني يتنكر لتاريخ البطريركية والبطاركة المؤسسسين لدولة لبنان وللكيان اللبناني السياسي واللاهوتي والايماني، كي يستطيع ان يلعب الدور البطريركي السياسي الذي يعزز اوراقه السياسية تجاه حلفائه المحليين والاقليميين. فباختصار كل سلطة ولو حتى روحية تختطف منه زعامة وصدارة مارونية زمنية منه تعتبر في قاموسه خصما لدودا له ولو حتى رأس الكنيسة.

ث‌- المسلمة الثالثة وهي ام المسلمات تتجسد في عقدة ان كل شيء " نظيف" في السياسة بدأ معه ومعه بدأ التاريخ. فقبله لم يكن هناك شيء جيد ومعه وبعده يجب ان يتغير كل شيء. فتاريخ الموارنة السياسي بدأ معه، وتاريخ الصمود المسيحي بدأ معه، وتاريخ بناء لبنان الحديث بدأ معه، وتاريخ السيادة والاستقلال والحرية بدأ معه. وهو الرسالة الشريفة الوحيدة الاتية من ارادة ربانية لانقاذ المسيحيين ولاعادة حقوقهم ورفع الغبن عنهم. ومعه وبه بدأ عصر التجدد والتطهير من الفساد، ومعه وبه كون الوطن ومن دونه لا وطن ولا دولة ولو "لعيون جبران".

انها نواة الفكر التوتاليتاري نفسه، كي لا نقول الدكتاتوري الفاشي نفسه، الذي تحكم بموسوليني عندما اراد بشخصه استنهاض امجاد روما فاعتبر نفسه الوريث الشرعي للاباطرة من يوليوس قيصر الى قسطنطين. وهو النفس الفكري العقائدي والايديولوجي الذي تحكم بفكر ادولف هتلر الذي اعتبر نفسه صاحب رسالة سماوية لانقاذ المانيا وشعبها من اذلال واهانة شروط الاستسلام للحلفاء ابان الحرب العالمية الاولى وعقوبات مؤتمر فرساي 1919 على المانيا المهزومة كما جاء في مذكراته الشهيرة (كفاحي ). فكان ما كان من جنوح غرائزي الى الاحادية والتوتاليتارية العسكرية التي بنت فكرة طهارة العرق الاري الابيض وفلسفة الابادة الجماعية لسواه من الاعراق.

فالعماد عون لا يقيم اي وزن ولا اي احترام لمن ضحى قبله بعقود ولمن استشهد قبل ان يوجد في الدنيا في سبيل حمل مشعل الحرية والاستقلال والسيادة، لا بل نستطيع القول انه لم يقم حتى وزنا لمن عاصروه من رجال استشهدوا عنه في ساحات الشرف والقتال دفاعا وحماية له عندما كان محاصرا في حصنه تحت الارض في بعبدا.

فالعماد عون لا يشبه احدا الا نفسه. وقد نجح في استقطاب وجذب من كان منذ زمن بعيد ينتظر اي رجل او قائد كي يمشي وراءه، مفضلا اياه على اي من الاحزاب المسيحية والقوى المسيحية التاريخية التي حملت على دماء شهدائها واثمان تضحياتها حماية البيت المسيحي، يوم كانت كسروان وكان المتن الشمالي والمتن الجنوبي وجبيل ومناطق وقرى ودساكر مسيحية مهددة بالزوال والاجتياحات على يد جحافل الحركة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية والمرتزقة الاجنبية التي كانت تقاتل على ارض غريبة الى جانب اليسار والشيوعيين والسوريين من الصاعقة وصولا الى قوات الاحتلال السورية المنشقة عن الردع العربي. يومها لم يكن هناك احد من التيار الوطني الحر ولا من زعيمه ولا من الرأي العام الجاحد المؤيد له اليوم. فالعماد لا يستطيع ان يتصور في خلفية تفكيره ان ثمة من سبقه الى مجد حمل الراية والى شرف حماية حقوق ومصير ووجود المسيحيين. وقد نسي ومعه بعض من المؤيدين له ان لولا الذين سبقوهم الى الشهادة والدفاع المستميت عن المسيحيين والوجود الحر في لبنان لما كان اليوم لا هو ولا من معه.

واليوم نقول للعماد عون: ان سلوكه الخاطئ ضرب عرض الحائط اسس قيام الدولة التي تحمي المسيحيين. وقد نسي العماد ان العرقلة وزرع العصي في دواليب تأليف الحكومة يكلف المسيحيين اكثر من سواهم شعورا بعدم الاستقرار والخوف على المصير وعلى التوازنات. فهو في تناقضات سياسته انما لا يساعد المسيحيين ولا ينقذهم بل يزيدهم تفتتا لانه اختار الفرس الاسلامي الخطأ، كونه فرس لن يصب يوما في صالح حقوق المسيحيين بل حقوق ولاية الفقيه والدولة الاسلامية الصفوية. وهو اليوم وان امتلك القوة السياسية في عرقلة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، فانما لم يمتلكها الا بالوكالة عن من يملكها فعلا اي هؤلاء انفسهم الذين كانوا يوما جنود الوصاية والاضطهاد المهدد للوجود المسيحي الذي يدعي حمايته وانقاذه اليوم هو وتياره .

فالديمقراطية جريحة في لبنان وهي تحتضر والمؤسف ان ظلم ذوي القربى اشد مضاضة … فكيف اذا كان ذوو القربى مسيحيين …

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل