ردّا على "المحرر السياسي" في جريدة "السفير" (1 من 2):
سنبقى مسيحيي الصرح وحماته… ولن نسكت عن "مطبخكم" الشامي
من هو المحرر السياسي في جريدة "السفير"؟ هل هو جميل السيّد من جديد كما اعتاد أن يكون لمرات كثيرة أيام الوصاية السورية على لبنان؟ أم هو مفوّض سوري جديد يأتي بـ"أمر اليوم" الصحافي مباشرة من مطبخ "الوطن" السورية الى "السفير" اللبنانية ليتلو على اللبنانيين الرقيم البعثي؟
هذه الأسئلة وسواها باتت مشروعة بعدما تولت صحيفة "السفير"، الى جانب بعض زميلاتها، مهمة القيام بحملة مركزة على "القوات اللبنانية" ورئيس هيئتها التنفيذية الدكتور سمير جعجع اعتبارا من لحظة ظهور نتائج الانتخابات النيابية، وذلك بعدما تبيّن تعثر رهانها على الحصان المسيحي الذي أعادته سوريا من الخارج بهدف نقل المسيحيين من موقعهم التاريخي وثوابتهم المتأصلة الى موقع آخر في أحضان البعثيين على حساب السيادة والكرامة اللبنانية.
بطبيعة الحال فإن الحملات على "القوات" لم تتوقف لحظة في جريدة "السفير"، حتى يوم كان جعجع معتقلا سياسيا في وزارة الدفاع اللبنانية في اليرزة. وقبل الانتخابات النيابية الأخيرة حاولت كل وسائل الإعلام السورية، الأصيلة في سوريا، والوكيلة في لبنان أن تشن كل الحملات الممكنة لمنع فوز قوى 14 آذار بالأكثرية النيابية وفشلت، فركزت حملتها بعد خيبتها في الانتخابات النيابية على محاولة تشويه صورة "القوات" وضرب تحالفها مع تيار المستقبل وبقية قوى 14 آذار من أجل فرط عقد قوى الممانعة لعودة أي شكل من أشكال الوصاية السورية على لبنان وفي سعي حثيث من وسائل الإعلام المذكورة لإعادة عقارب الساعة الى الوراء والعودة بلبنان الى مرحلة ما قبل 14 آذار 2005، تحت شعار أن "لبنان تم خطفه طوال 4 أعوام الى غير مكانه الطبيعي ويجب إعادته الى موقعه الطبيعي"، ويقصدون بذلك "الحظيرة السورية".
مناسبة هذه المقدمة هو تناغم الحملات على "القوات اللبنانية" بين جريدة "الوطن" السورية و"السفير" اللبنانية. ففي حين تمعن "الوطن" منذ مدة بالتطاول على رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات" الدكتور سمير جعجع، سخّرت "السفير" مساحات شاسعة من صفحاتها وعدد كبير من أقلامها، وبعضها بأسماء وهمية، لشن أشرس الحملات بحق "القوات" ودور جعجع.
وآخر الغيث صدر صفحتها الأولى في عددها الصادر الجمعة 30 تشرين الأول 2009 تحت عنوان: "انكفاء سليمان يجعل عون «المفاوض الأول» وجعجع يراهن على «البطولة» مجدداً/ أزمة التأليف: عقد مسيحية أم صراع مستمر على الزعامة؟" بقلم "المحرر السياسي" المجهول- المعلوم لأنه، أيا يكن اسمه الحقيقي فإن ما أورده إنما يبقى من مصدر معروف ولأهداف لم تعد خافية على أحد.
ورغم ذلك، وانطلاقا من إيماننا العميق بالحريات واحترامنا الكبير للرأي العام فإننا قررنا مناقشة النقاط الواردة في ما جاء في "السفير" حول ما يتعلق بـ"القوات اللبنانية":
ـ يقول "المحرر السياسي" حول عملية تشكيل الحكومة: "أننا لسنا أمام عملية تأليف وحسب، بل أمام عقلية معركة سياسية، تريد الخروج من المسار الحكومي، برابح وخاسر مسيحي"، وكأن منطق الرابح والخاسر المسيحي يتقرر في تشكيل الحكومة. فلأرباب الصحيفة التي تنادي بالديموقراطية وتسوّق لعكس ذلك نقول: إن الخاسر المسيحي قررته إرادة الناخبين المسيحيين فتراجعت نسبة تمثيله في انتخابات الـ2009 ما لا يقل عن 20 في المئة عن انتخابات الـ2005 في أقل تقدير. وقد بلغ هذا التراجع في دوائر عدة نسبة أكبر. ولم تنفع كل محاولات تعويم الخاسر بالأصوات الشيعية في عدد كبير من الدوائر لتغطية تراجعه المسيحي المثبت بالأرقام. أما قمة الهزائم التي مني هذا الطرف فتمثلت في قضاءين أساسيين: البترون لما لها من رمزية القربى وحيث تم تسخير كل إمكانات وزارة الاتصالات وشركتي الخلوي والتيار الوطني الحر وجاءت الخسارة مزلزلة رغم ذلك، وزحلة أيضا التي قلبت المعادلات وأمنت أكثرية واضحة لقوى 14 آذار بعدما تحوّل الصوت المسيحي فيها بما لا يقبل أي تأويل أو تفسير لمصلحة قوى 14 آذار و"القوات اللبنانية". وحتى في الدوائر التي لم تحقق فيها قوى 14 آذار فوزا في المقاعد النيابية إلا أنها حققت تقدما مسيحيا واضحا.
وبناء عليه فإن من الطبيعي أن تعكس أي حكومة بعد الانتخابات، وفي أي بلد ديموقراطي، نتائج الانتخابات النيابية، من دون أي يسعى البعض الى تصوير معارك في غير مكانها، وخصوصا بعد أن عرض الرئيس المكلف سعد الحريري على النائب ميشال عون ما لا يمكن رفضه في التشكيلة التي قدمها الى الرئيس المكلف قبل اعتذاره ورفضها عون وأضاع فرصته، وعليه أن يتحمّل النتائج والتبعات لعرقلته المستمرة حتى اليوم.
أما مقولة أن التوازن الذي يسعى البعض الى تأمينه "ينتهي مفعوله عمليا مع تأليف الحكومة وتوجه الرئيس المكلف إلى دمشق ليضع يده بيد الرئيس بشار الأسد"، فإننا نطمئن "الغيارى" في "السفير" وغيرها الى أن مصافحة الرئيس المكلف سعد الحريري للرئيس السوري بشار الأسد، حين تتم إذا تمت، لن تكون بمثابة تأدية التحية التي يتمناها البعض ويعمل لها كثيرون، بل ستكون مدخلا لمناقشة الملفات العالقة بين البلدين، وفي طليعتها ملفات المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية وترسيم الحدود اللبنانية انطلاقا من مزارع شبعا وإنها ملف السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وتفعيل العلاقات الدبلوماسية بين البلدين ووقف التدخلات السورية في الشؤون الداخلية اللبنانية.
وعن الكلام المتعلق بتصريحات سيّد بكركي نترك لصاحب الغبطة الردّ، أما نحن فسنؤكد أننا، وبكل فخر، مسيحيو الصرح. هذه ليست تهمة بل عنوان فخر لنا. نعم، نحن كنا وسنبقى مسيحيي الصرح البطريركي وأبناءه وفي طليعة المدافعين عنه، وهذا وسام نعلقه على صدورنا وإكليل غار على جباهنا، ورثناه من أسلافنا ونحافظ عليه بكل ما أوتينا من قوة وعزم.
أما مقولة أن سوريا كانت تريد استثناء "القوات اللبنانية" من الدعوة الى زيارتها فأمر غير صحيح لأن "القوات" كانت من بين المدعوين وهي رفضت بفخر وتصرّ على الرفض قبل معالجة الملفات العالقة مع النظام البعثي.
أما المثير للضحك والسخرية معا فهو حين يصف "المحرر السياسي" في "السفير" الدكتور سمير جعجع بأنه "استفاد في العام 1990 من تغطية الاقتحام السوري للقصر الجمهوري لإطاحة ميشال عون، للظهور في مظهر "البطل" عند تأليف أول حكومة برئاسة عمر كرامي"، متناسيا أن جعجع لم يشارك لا في حكومة كرامي ولا في غيرها ولم يكن في حاجة للظهور في أي مظهر، كما أنه من سخريات القدر حين يتحوّل "الغازي" في 13 تشرين الأول 1990 مع "الضحية" المفرضة آنذاك أعز الحلفاء ليحمّلوا مسؤولية ما حصل الى طرف ثالث. فهلا يذكرنا "المحرر السياسي" بالأوصاف التي كان يطلقها على عون في ذلك الزمن؟
(يتبع الثلاثاء جزء ثان)