كلام البطريرك… بطريرك الكلام
عشية الذكرى الـ65 لولادة الرئيس رفيق الحريري وبعدما صدر في الساعات الاخيرة عن البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير موقف يعد من اقوى المواقف شجاعة في مرحلة صعبة يواجهها المشروع الاستقلالي في لبنان، يحضرنا قول للرئيس الشهيد الحريري ادلى به في مرحلة الوصاية السورية في خضم المعركة التي قادها مع البطريرك صفير ووليد جنبلاط ولقاء قرنة شهوان" لإنهاء عهد الوصاية، فعندما طلب اليه ان يعلق على موقف للبطريرك ازعج السوريين في تلك المرحلة، اجاب: "كلام البطريرك، بطريرك الكلام (…)"، في ما كان يعكس تأييدا من الحريري لموقف صفير. واكثر ما كان يؤرق الوصاية في تلك المرحلة ان يجتمع جناحا لبنان المسلم والمسيحي، لعلمهما ان الامر سيشكل بداية نهايتها، وبالتأكيد سيشكل نهايتها الحتمية إذا ما اقترن بدعم عربي ودولي لإنهاء وصاية تحولت مع الوقت الى حالة احتلالية مهما قيل هنا وهناك. واليوم في زمن التنازلات والتراجعات الكبيرة، والكثير منها لا مبرر له سوى عامل الخوف المبالغ فيه من سطوة سلاح "حزب الله"، الذي لن يوقف الخضوع لإملاءاته نهجه الناسف للنظام والصيغة والتوازنات الدقيقة في البلد، وقف البطريرك صفير ليذكر بقوله ان "حزب الله" يعمل لايران اكثر مما يعمل للبنان، وليحذر من ظاهرة الفئة المسلحة التي ستستدرج تسلحا مقابلا! وللمناسبة، ذكّر اللبنانيين بأن بيت القصيد ليس ما يجري في كواليس تشكيل الحكومة، بل ان العامل الاول للازمة اللبنانية هوالسلاح الفئوي.
اهمية كلام البطريرك انه لا يضيع البوصلة، وانه لا يناور ولا يتملق القوي بسلاحه بل يقول كلاما للتاريخ وسيبقى للتاريخ، حتى بعد ان يغيب البطريرك. ففي زمن الذكرى العشرين لإتفاق الطائف، وفي الوقت الذي يطرح نقاش حول "ميثاقية" المقاومة استنادا الى الطائف، وفي الوقت الذي تستعاد فكرة ان المقاومة لا تحتاج الى اجماع ما دامت تستمد مشروعيتها من القضية التي اوكلت الى نفسها مهمة الدفاع عنها، في هذا الوقت يوضع على طاولة النقاش المسدس جزءا من النقاش.
والحال ان مشروعية المقاومة، وثمة خلاف حول التسمية لان المقصود تنظيم "حزب الله" المسلح، لا يمكن ان تنبع من القضية وحدها ولا من الشعار الذي ترفعه، ولا حتى من تاريخ نضالاتها، بل من كونها أيضاً لا تمثل حالة فتنوية في المجتمع، ومن كونها لا تمثل خلافا يتعدى مسألة القضية الى خلاف طابعه مذهبي، ديني، وايديولوجي، مقرونا بوظيفة سياسية خارجية. كما لا تكون الميثاقية حيث هناك اكراه لفئات واسعة من المجتمع المفترض فيه انه مقاوم، فضلا عن عامل التخويف الدائم بالسلاح في الداخل. وقد كانت تجربة 7 ايار 2008 مثالا حيا على ان الاحتلال يمكن ان يكون داخليا. وان الوصاية على اللعبة السياسية الداخلية التي تبعتها يمكن ان تكون داخلية ايضا.
لقد كانت اسرائيل مصدر تهديد دائم للبنان ولاتزال. والى حد ما، كانت الانظمة السورية المتعاقبة التي لم تقبل بقيام لبنان مصدر تهديد لسلامة الكيان ولاستقراره ولا تزال. وبالرغم من ان موازين القوى تغيرت في المرحلة الاخيرة، لكن لبنان واللبنانيين يحتاجون الى كلام مثل الذي قاله ويقوله البطريرك صفير والذي لا تقلل من قوته تلك الموازين المتحركة.
من هنا استذكارنا الحريري في عيده الخامس والستين قائلا: "كلام البطريرك… بطريرك الكلام".