"غودو" يطلق الصواريخ من الجنوب…
مجدداً صواريخ مُعلنة في الجنوب. وصاروخ الى الأراضي المحتلة لم يُصب أحداً. ومجدداً يرد العدو الصهيوني بما يناسب عدوانيته التاريخية. ومجدداً تُعلن جهة مجهولة مسؤولياتها وتبوح بانتمائها الى "القاعدة". ولا يفوت كل ذلك تعبير الجميع، أقلية وأكثرية، ومرجعيات سياسية وأمنية، ومقاومة وأحزاباً وسياسيين عن استنكارهم الشديد للصاروخ "المشبوه" وكذلك للصواريخ التي اكتشفت في كنفٍ من أكناف المنطقة.
عالّ إذاً وحدة وطنية وعسكرية انتصبت في وجه العدو، كما انتصبت هذه الوحدة المتراصة المشبوكة الخناصر والبناصر والعناصر في وجه العدو ذاته بعد اكتشاف "شبكات" تجسسه المزروعة أرضاً وربما فضاء وبراً ومياهاً. من يعلم، وهكذا أراح الجميع "ضمائرهم" الوطنية والقومية والعروبية والأعجمية واللبنانية والطائفية والمذهبية والمناطقية والعائلية والقبلية وكذلك الحضارية. قاموا بواجب الاستنكار كما لم يقوموا به من قبل، حتى ان بعضهم اتهم اسرائيل بأنها هي التي اطلقت الصاروخ من الجنوب على أرضها، لتختلق ذريعة لعدوان على لبنان، او لانتهاك القرار الدولي 1701. اسرائيل إذاً دخلت عبر عملائها او استخدمت عملاءها المزروعين لتضرب اسرائيل بصاروخ، وتوزع صواريخ موجهة اليها. تفسير رائع! "أجمل" من "ذنب"، وأروع من توضيح، من دون أن ننسى من جهة أخرى، أكثر "واقعية" اتهامها الذين اطلقوا الصاروخ بالمشبوهين.. والعملاء!
إذاَ، علينا ان نختار، بين ان اسرائيل هي التي قصفت نفسها، أو ان عملاءَها هم الذين قصفوها. وفي الحالين، لا نجد ما يغير واقع أن صاروخاً أُطلق من المنطقة، وأربعة صواريخ اكتشفت وجاهزة لمهمة النضال والكفاح من أرض لبنان وحدها، لا غيرها، وكأن اسرائيل ليست موجودة الا "عندنا" أو كأنما جرائمها لا تصيب إلا ارضنا. اذاً لبنان "ماركة مسجلة" لاسرائيل ولعملائها.. ولسواهم. و"أرض" موعودة وواعدة بالحروب (الماضية) والمقبلة. أرض صُنِعَتْ وحدها للحروب. وللصراع، دون "الأمة" كلها، سواء الأمة العربية او الأمة المسيحية أو الأمة الاسلامية.. أو الأمم الحضارية الواسعة بحضاريتها حتى العجز.
وعلى هذا الأساس، لِمَ لا يكون لبنان (وخصوصاً جنوبه ومنذ 1969 مع قوافل الابطال الميامين من كل "لِسنٍ وأمة") محجاً لكل "المحرومين" في العالم نعمة النضال ضد الامبريالية وعبرها اسرائيل، ليحققوا امنياتهم الجلّى ليس على ارضهم اطلاقاً.. بل على ارضنا! (وعندها لا يكون لأحد أن يسأل. ولا لأحد ان يجيب. لا لماذا يجب أن يختار هؤلاء، "ارض النضال المختارة" ضد "شعب الله المختار" دون سواها. وكيف جاؤونا من دون ان نجيئهم. وشرفونا من دون ان نشرفهم. واستدبرونا من كل المخارج والمداخل البرية والجوية والبحرية.. ليستدبروا عبرنا العدو الصهيوني، شئنا أم ابينا او لم نشأ أو لم نأبَ. وعلى هذا الأساس علينا القبول وأخذ كل "الاحتياط" والاستعداد الدائم لحرب مع العدو.. اختارها "مجهولو" الآفاق والنواحي من كل حدب وصوب باعتبار أن ميادين النضال مستباحة لمن "يناضل" وارضنا "المقدسة" هي الميدان الأمثل والأسهل والأعزل والأجمل!
عال! لكن عندما يستنكر الجميع مثل هذه "الاختراقات" فيعني ان هؤلاء غير مرحب بهم علناً. او لفظاً. او هامشاً أو متناً (أين صارت متون الوطن من يعرف!) وعليه، منهم لا يقلون خطراً عن اسرائيل لأنهم بكل بساطة "مشبوهون" ومشمومون ومطفوحون بروائحها. عال! "بارك الله فيكم"! يا أهل الاستنكار والتآزر.. في المكرمات والشدائد والأزمات وعندما "يُهدد الوطن" (قلتُ الوطن؟ – برافو!) او يتعرض للمخاطر. لكن الناس سواء الذين يصفقون لهذا التضامن العميم في وجه العدو، أو يبكون فرحاً، او يفتحون أفواههم عجباً، او يستذكرون مواقف مشابهة، يسألون كيف وصل هؤلاء المشبوهون بصواريخهم الى الجنوب المدجج بالجيش واليونيفيل والمقاومة والمخابرات والعسس والناس والوديان والشجر والصنوبر والوعر والنهر والهضاب والخضاب والرباب؟ كيف وصل العدو الاسرائيلي هكذا لينصب صاروخاً ويطلقه على نفسه. او كيف ادرك هؤلاء "المشبوهون" بصواريخهم "المشبوهة" هذه المناطق الضاجة بالحراسة؟ اترى كانت صواريخهم أصغر من هواتفهم المحمولة او ولاعاتهم أو علب سجائرهم.. على طريقة جيمس بوند.. فكبروها.. ونفخوها.. وحشوها.. ثم اطلقوها بسهولة "سيري فعين الله ترعاك" وعادوا هكذا بلا دليل ولا اثر. فكأنهم انفسهم تحولوا في مجيئهم وفي ايابهم (بعد المهمة المقدسة ، قدس الله مناخيرهم وبطونهم وجيوبهم وعقولهم العميلة) بأخفاف حنين.. او بطاقية الاخفاء.. (نتذكر فيلم اسماعيل ياسين الذي يحمل هذا العنوان) او متحولين الى أشجار تمشي، او ظلال تجري.. او طيور زاجلة.. على طريقة "كليلة ودمنة" او "ألف ليلة وليلة" او أفلام "الخيال" أو الغرائب.. أو المعجزات!
وعندها ما علينا ومن باب الايمان بالأقدار سوى ان نكتفي بسماع أصواتنا المستنكرة والتصفيق لأنفسنا.. أو لما آلت اليه أنفسنا، أو لما آل اليه هذا الوطن منذ أربعة عقود بجنوبه وبقاعه وشماله وشرقه وغربه.. بلادٌ كل من يدخل اليها "مجهول".. ومن يخرج منها "مجهول" ايضاً! وعلينا، في هذا المجال، ان نتعود الاقتناع بما يُدلى من تصاريح، وتصويتات وصراخات و"براهين" و"تبارير" و"تصاوير" وتعاويذ.. لنريح انفسنا القلقة على مصير الجنوب والبلاد في وجه "الأعاصير"! وهذا لا يعني سوى أمر واحد: أن ننتظر استعادة هذا "الفيلم" المجهول الاخراج في كل مناسبة يشعر "مُعدّوه" الموصوفون ربما "بالجن" والشياطين.. بأنهم يحتاجون الى صاروخ تطلقه اسرائيل على نفسها لترد علينا، أو الى صاروخ يطلقه "مشبوهون" عملاء.. دخلوا من دون أن نعرف كيف، الى الجنوب، وخرجوا من دون أن نعرف كيف من الجنوب! انها "الأرض السحرية" التي تكرر سحرها وسَحَرتَها في كل موسم "صراع بين الخارج والخارج" أو بين الداخل والخارج، أو بين الداخل والداخل… أو بين المعروف والمجهول أو بين المعروف والمعروف! اذاً ما علينا سوى ان ننتظر "بروفة" صاروخية جديدة تهدد البلاد كلها لعدوان صهيوني.. أو تستثير الفتنة، أو تخرب جهود التوافق، أو تعطل مسار الحكومات، أو تعرقل مهمة التأليف، أو توجه كرسائل بين المعروفين والمجهولين من صناديق بريد الجنوب واليه.. برسم الخراب أو الاستباحة، أو تهديد الجيش، أو بهدلته، أو شرشحة الدولة، او الضغط على جهات ليس من واجبنا لا ان نؤكد ولا ان ننفي من هي. بل أكثر: علينا اذا عرفنا الاّ نعرف! واذا تأكدنا ان ننفي! واذا نفينا أن نؤكد! صاروخ بين صواريخ. لا أكثر ولا أقل. وبين الصاروخ والصاروخ تهيئة لصاروخ. وبين العميل والمشبوه.. تذكير بعميل ومشبوه. وبين الاستنكار والاستنكار تطييب خواطر.. وتبقى الأمور كما هي: "تيتي تيتي مثل ما رحت مثل ما جيتي" بل يبدو أحياناً ان هذه الاسطوانات المتكررة.. وصيغ التجهيل والاتهامات الشديدة ليست أكثر من قول إنّ ما جرى سوف يجري (لا محالة) وما قيل سوف يقال (لا محالة)… وستبقى أرض الجنوب ومعها لبنان، "جنة" المناضلين وفضاء الرسائل الأمثل والمنصة الأمتن لكل من لا يريد لهذا البلد لا أمناً ولا استقلالاً ولا دولة ولا ازدهاراً ولا منصة ولا سيادة ولا جيشاً ولا شعباً! وضمن هذا الاطار ولكي يبقى كل شيء على حاله وأحواله وثباته.. ما عليك ان تفكر في اكثر ما يفكرون فيه. وتستنكر بأكثر ما يستنكرونه. وتسأل بأكثر ما يجيبون عنه. وعندها يتساوى الجميع بك، وتتساوى بهم. على ان هذه المساواة لا تعدم حقيقة ان كل شيء في خضم النيات الحسنة المعلنة بشهية عالية، يبقى في أمكنته، وفي مخاطره، وفي فجاءاته. وهكذا يكون على اللبناني البسيط الذي ومن حكمته المكتسبة، الا يعرف عندما يُطلب منه ان يعرف، وان يعرف عندما يطلب منه الا يعرف! ويبقى عليه ان يكون دائماً على حذر. لكن حذر "الخائف"! وعلى جهوزية لكن جهوزية من لا حول له ولا قوة. وعلى انتظار ولكن انتظار "المعروف" والمعلوم. وعلى الدولة التي تشبه هذا المواطن، ان تتفقد كل يوم حالها وما ليس لها. والصبر لها. والصواريخ ليست لها. والتعازي لها، والأفعال للمجهول غير الساطع، وللمعلوم "المضيء" بازدهاره العالي. وهذا يتطلب قدراً كبيراً جداً من "ايديولوجية" القبول. قبول ما هو قائم ويترسخ. وقبول ما ليس قائماً ويترسخ. حتى بات كل الشعب اللبناني، وفي موضوع "الصواريخ" منتسباً الى هذه الايديولوجية. وبات كله يطلب انفلونزا "القبول" وهي من باب انفلونزا الخنازير وربما غداً انفلونزا التماسيح وبعد غد انفلونزا الحيات والعقارب، وكأنها من تحصيل الحاصل، ومن جوائز الترضية، أو من بطاقات البدائل والاستعارات وحذار ان يشفى من اي انفلونزا من الخنازير أو الحيات او التماسيح المنتشرة بعدواه المتنوعة والمتراكمة منذ اربعة عقود. فانفلونزا القبول في آخر الستينات هي انفلونزا القبول في ختام العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. لكن ربما تتغير "الأعراض" وتتنوع "المعالجات" والأدوية بما فيها مستحضرات التجميل، والعلاجات بالأعشاب والتعاويذ.. والسحر، والشعوذة ، ذلك انه عندما تريد ترسيخ ايديولوجية من ايديولوجيات القبول على امتداد عدواها.. عليك ان تستعين بالغيوب ايضاً، وبالشياطين والجن فذلك يجعل من ذلك القبول شيئاً سحرياً لا يقاوم. والحروب هي الأزمنة المثالية لمثل هذه الأنواع من الممارسات والايمان والتفاسير والاّ كيف تقبل الحروب وكأنها من عطايا الاقدار أو الجنات أو لقاء الأرض بالسماء! ونحن، في بلادنا، ما زلنا ومنذ اربعة عقود وفي تعاقب كل أهل الخوارق والأبطال عندنا من جهات الدنيا كلها، علينا أن نبقى في هذه الأجواء الخرافية: ان نكرر ما يُكَرّر علينا. وان نقبل بنظرية "عنزة ولو طارت" وهكذا يخلّد الابطال انفسهم في ظهرانينا، ويتناسلون وتتَناسل معهم "هالات" الأساطير وتيجان الدم وصولجانات النواهي، وكراسي العنف. وما حصل في الجنوب قبل ايام، سبق أن حصل قبل عقود. والصواريخ التي وجدت، سبق أن وجد مثلها. والتصاريح التي "احبطت" الفتنة" والمؤامرة الصهيونية سبق ان لعلعت على امتداد عشرات السنوات. والشعارات التي اطلقت سبق ان اطلقها كل الذين تعاقبوا عبر ايديولوجيا القبول الى لبنان ولبيروت والجنوب.. وكان لها وقعها المدوي الآسر في عقول المنتظرين لـ"غودو" من هنا، أو لـ"غودو" من هناك، بسحنة معروفة، أو بماكياج دقيق، أو بملابس تصنع جماله.. ونسبه وهويته.
إذاً، فلنقلْ مع القائلين، من جوقات وفرق وحساسين وزغاليل ومِللٍ ونِحلٍ ان الصواريخ المطلقة من الجنوب على اسرائيل هي من فعل "دخيل".. وان مطلقيها من سلالة مارقة، وان زارعيها من نسل صهويني.. وان الجميع براء من دم هذا "الزنديق" فهذا أَرْيَح للنفوس الحائرة، وأَفْيَدُ لمن يكتفي بالأجوبة، وأسلم لمن يريد السلامة والاطمئنان.
ولنقل، مع القائلين أو مع غير القائلين، انها صواريخ ولكن! ويمكن الصواريخ ان يكون لها وجود مستقل عن ناقليها وضاربيها. فلنعاملها ككائنات مألوفة.. كالهررة والكلاب والسلاحف وعندها، لا يكون لنا وللجميع إلاّ ان نُحيي هذا الصمود في وجه العدو.. الغاشم، ونُكبر مواقفنا المستنكرة.. ونستزيد من الصلوات والادعيات والتراتيل لكي تبقى هذه الصواريخ مجهولة ومنبوذة، لأنه، سيأتي يوم (كما سبق ان اتى مرات) لن تكون فيه هذه الصواريخ مجهولة.. وسيكون "السيف اصدق انباءً من الكتب" والفيصل يقطع الشعرة وهي ساقطة من الشعر…
وسيكون على الجميع ان يقتنعوا آمنين بان فلسفة قبول الأشياء كما هي، وكما تعودوها ومارسوها، هي فلسفة انتظار اللاشيء. واللاشيء هنا يعني العدم بامتياز!
فهل هذا ما تقوله لنا هذه الصواريخ الموجهة الينا أكثر مما هي موجهة الى حيث وُجِّهت!
وهل بات علينا أن نقتنع بأنها وإن وجهت الينا، فهي وجهت الى العدو. ولو اصابتنا فقد اصابت العدو، ولو دمرت ما دمرت فهي دمرت العدو!
فما أروع هذه الصواريخ الرائعة التي تصوب الى اسرائيل لتصيبنا! لكن قولوا معي: لا! صوبت الى العدو.. واصابته في صميمه! فهذا أجمل ما في القبول!
القبول الآتي بالعدم. والذاهب اليه. بلا تردد ولا تفكير. ولا نقد. ولا معرفة. ولا يقين. ولا آتٍ.
ولا من يأتون لا من غودو ولا من دون غودو!