أبعد من تشكيل الحكومة الأزمة ليست (إدارية) بل استراتيجية
مصادفة تحمل أكثر من دلالة وأكثر من مغزى، وهي أن يتزامن حلول الذكرى العشرين على توقيع إتفاق الطائف (تشرين الأول 1989) مع الأزمة المستعصية لتشكيل الحكومة اللبنانية. ومغزى هذه الدلالة ان مشكلة النظام اللبناني ليست (إدارية) بل أبعد من ذلك بكثير وأعمق، وموجزها ان الطائف لا يستنبط حلولاً بل ابتكر فيتوات تضعها القوى السياسية في مواجهة بعضها البعض، وتتعقَّد هذه الفيتوات لأن معظم هذه القوى تتلطى وراء الطوائف. في هذه الحال كيف تكون الأزمة (إدارية) وهي قادرة على إيقاع البلاد في فراغ منذ ما يزيد على أربعة أشهر؟
هذا الفراغ ليس (إدارياً) بل هو استراتيجي بامتياز وسياسي بامتياز وذلك للأسباب التالية:
– مضت خمسة أشهر من دون أن تنعقد جلسة لمجلس الوزراء، فكيف تكون الأزمة (إدارية)?؟
بعد الطائف أصبحت السلطة التنفيذية في لبنان تُناط بمجلس الوزراء مجتمعاً، على هذا الأساس تكون هذه السلطة مشلولة لأنها لا تجتمع.
– العقدة الثانية والأكثر خطورة هي ان لا مرجعية تفصل في النزاعات القائمة، فمنذ اندلاع الأزمة الحكومية في السابع والعشرين من حزيران الماضي، يدور البلد في دوامة تحوَّلت إلى حلقة مفرغة، فالجميع في قلب الصراع ولا أحد على الحياد، وحين يكون الأمر كذلك يُصار إلى اللجوء إلى الخارج، لكن هذا الخارج ليس (جمعيات خيريّة) بل له مصالحه، سواء أكانت مشروعة أم غير مشروعة، وحين يكون الأمر كذلك تفلت الأمور من أيدي اللبنانيين وتصير بيد الخارج، فإذا اتفق انعكس ذلك ايجاباً على لبنان، أما إذا لم يتفق فإن الأزمة الداخلية تبقى على (قارعة الإنتظار).
* * *
ان أخطر ما تواجهه الأزمة هو محاولة (تبسيطها)، فلو كانت الأمور (بسيطة) كما يحاول البعض الإيحاء فلماذا هي معلَّقة منذ أكثر من أربعة أشهر؟
إن بداية المعالجة الحقيقية تكون بالإعتراف بعمق الأزمة التي هي أزمة نظام بالدرجة الأولى، والإعتقاد بأن الحكومة هي مجرد توزيع مغانم، وعدم التسليم بنتائج الإنتخابات النيابية، إذ كيف يُعقل أن يجلس الجميع على طاولة المفاوضات، للتشكيل، من دون أن يتم الإعتراف للفائز بأنه فاز، وحين يتعاطى الخاسر مع الواقع وكأنه لم يخسر؟
* * *
على السياسيين اللبنانيين أن يتوقفوا عن المكابرة ويُسلِّموا تجاه مواطنيهم أن بلوغ سن الرشد السياسي لم يحن بعد في لبنان، وان ما زال أمامهم مرحلة طويلة عليهم اجتيازها للوصول إلى المفاهيم الحقيقية لبناء وطن واحترام أبنائه.