#adsense

الحل في النظام النسبي وفصل النيابة عن الوزارة

حجم الخط

بعد أزمة الانتخابات الرئاسية وتغيير قواعد تشكيل الحكومة
الحل في النظام النسبي وفصل النيابة عن الوزارة

يمكن القول ان قوى 8 آذار والمتحالفين معها توصلت الى طرح دستور الطائف على بساط البحث لتعديل ما يجب تعديله او توضيح ما يجب توضيحه في نصوصه الملتبسة فلا تظل قابلة لاجتهادات وتفسيرات متناقضة بحيث تصبح ملائمة مع ما طرأ من تطورات في المجتمع اللبناني سياسياً ومذهبياً. كما توصلت هذه القوى الى جعل النظام الديموقراطي مطروحاً ايضاً للبحث توصلاً الى اتفاق على صيغة نظام آخر يتلاءم والوضع الراهن ليكون مواكباً له ومتعايشاً معه، لان نتائج الانتخابات النيابية التي كان ينبغي ان تعود بالبلاد الى تطبيق النظام الديموقراطي واحترام احكام الدستور، خصوصاً عند تشكيل الحكومات، لم تنجح في ذلك، لان هذه النتائج اصطدمت بواقع على الارض مخل بالتوازن الداخلي بسبب تسلح فئة من دون فئات اخرى، عدا ان هذه الفئة التي باتت هي الاقوى بحكم هذا الواقع: يمكن ان تمتنع عن المشاركة في اي حكومة اذا لم يؤخذ بشروطها ومطالبها، ويستحيل عندئذ تشكيل حكومة ميثاقية وشرعية عندما لا تتمثل فيها كل المذاهب والطوائف خلافاً لما كان عليه الوضع السياسي في الماضي عندما كان تطبيق النظام الديموقراطي قائماً وكذلك احترام احكام الدستور. فالاكثرية النيابية التي كانت تنبثق من الانتخابات تستطيع ان تشكل حكومة منها لان تلك الاكثرية كانت تتألف من كل الفئات السياسية والمناطقية والمذهبية ولم يكن القرار احادياً في اي مذهب كما هو الآن في بعض المذاهب بل كان تعددياً ومتنوعاً. وكانت الحكومات تشكل بعيداً عن تمثيل كل المذاهب كما قضى بذلك دستور الطائف، اذ يكفي تمثيل الموارنة لتصبح المذاهب المسيحية كلها ممثلة فيها ويكفي تمثيل السنة لتصبح المذاهب الاسلامية ممثلة فيها ايضاً.

وبما انه بات من الصعوبة، ان لم يكن مستحيلاً تطبيق النظام الديموقراطي الذي تحكم الاكثرية بموجبه والاقلية تعارض، عندما تكون هذه الاكثرية لا تتألف من كل المذاهب وممثلة تمثيلاً صحيحاً، فإن تشكيل حكومة وحدة وطنية لا يتحقق ما لم تجتمع فيها الاكثرية والاقلية على تناقضاتهما، لان امتناع اي مذهب عن المشاركة فيها يعرقل تشكيلها او يجعلها حكومة غير ميثاقية وغير شرعية.

لذلك، ما دام يصعب تطبيق النظام الديموقراطي في ظل التكتلات المذهبية، كما يصعب تشكيل الحكومات الا اذا كانت حكومات وحدة وطنية فبات لا بد من اعادة النظر في صيغة النظام وفي احكام الدستور، لان تشكيل مثل هذه الحكومات بات يفرضه الواقع المستجد، ولم يعد في الامكان تشكيل الحكومات الا اذا كانت لها هذه الصفة، وهذا معناه ان المعارضة لا يبقى لها وجود في مجلس النواب بل تنتقل الى داخل الحكومة والى طاولة مجلس الوزراء، وان كل مرة يتم فيها تشكيل حكومة تتمثل فيها الاكثرية والاقلية ينبغي اللجوء الى الخارج طلباً لمساعدته على تشكيلها، وهو ما حصل حتى الآن منذ ان اصبح تشكيل حكومة وحدة وطنية امراً مفروضاً. فتارة تكون سوريا وطوراً تكون قطر والآن يتم تشكيلها بتدخل خارجي من هويات وجنسيات متعددة.

لذلك بات الحل الذي يلبنن الانتخابات الرئاسية والانتخابات النيابية وتشكيل الحكومات، هو في قانون للانتخابات يعتمد القاعدة النسبية كي يأتي التمثيل النيابي والسياسي صحيحاً، ولا يعود الاقطاع السياسي وزعماء اللوائح يتحكمون باختيار المرشحين على لوائحهم بدافع مصلحي او مادي، ويصبح هؤلاء المرشحون فاقدي حرية الرأي وحرية الموقف خوفاً على مقاعدهم النيابية او الوزارية، بل يصبحون احراراً عندما يتحررون منهم ويصير في الامكان انتخاب رئيس الجمهورية بواسطة نواب فازوا بقوتهم الذاتية وليس بقوة مستعارة، وفي الامكان تشكيل الحكومات من هؤلاء النواب الاحرار بقرار منهم وليس بقرار من فرض نفسه سيداً عليهم من خلال زعامته التي يوظفها في تشكيل اللوائح ممن يشاء وكما يشاء… وعندما تجرى انتخابات نيابية على قاعدة النسبية، ويفوز فيها كل مرشح بقوته الذاتية وليس بقوة غيره المستعارة، عندها يصح القول "كما تكونون يولى عليكم" في حين ان هذا القول لا يصح بالطريقة التي تجرى على اساسها الانتخابات، اي قاعدة الاكثرية، بل يصح القول عندئذ "ليس كما تكونون يولى عليكم".

ويقول الرئيس الحسيني في هذا الصدد في حديث له، ان الشعب اللبناني ليس ممثلاً تمثيلاً شرعياً في البرلمان او في الطبقة السياسية، وهو لا يزال يراهن على قدرة اللبناني على العمل للنهوض مجدداً بمؤسسات بلاده وقد تآكلها التقاسم المستمر للحصص السياسية الملونة على اختلافها. ويرى انه لا بد من ثورة دستورية تعيد الى الشعب السلطة المصادرة بقوانين انتخاب يخجل آباؤها بأبوتها الشنيعة، وان التغيير في رأيه يكون بقانون انتخاب يعيد انتاج الطبقة السياسية على قاعدة ان المجموعة للوطن لا العكس.

ثمة من يرى لحل عقدة تشكيل الحكومات التي يفرض وجودها الواقع المستجد سياسياً ومذهبياً ان يقر مشروع قانون يمنع الجمع بين النيابة والوزارة بحيث يصبح على السياسي ان يختار بين ان يكون نائباً ولا يكون وزيراً، او يكون وزيراً ولا يكون نائباً. وبإقرار هذا المشروع يصير في الامكان بسهولة أكبر تشكيل حكومة لا تفرض عند تشكيلها صفات او تسميات معينة، بل يفرض فيها اصحاب الكفايات والاختصاص والمواهب من كل المذاهب والمناطق، ولا يعود مع اقرار الفصل بين الوزارة والنيابة من يستطيع عرقلة عملية التشكيل من خلال اصطفافات مذهبية وتهديد بحجب الثقة، او القول بأن الحكومة غير ميثاقية او غير شرعية، لان لا وجود لهذه الاصطفافات خارج مجلس النواب.

لذلك فإن على المهتمين بإخراج لبنان من ازماته التي لا حل لها الا بتدخل الخارج، ان يعثروا بسرعة على قانون للانتخابات النيابية يعتمد نظام النسبية مع الصوت المفضل، كي لا يظل رأي النائب مقيداً برأي رئيس كتلته، واقرار قانون فصل النيابة عن الوزارة لإخراج تشكيل الحكومات من دائرة القيود السياسية والعراقيل المذهبية للتمكن عندئذ من اختيار من يمثلون المذاهب من اصحاب المواهب لا من ممثلي المذاهب ولو من دون مواهب…

المصدر:
النهار

خبر عاجل