#adsense

تأليف الحكومة: الملل والضجر

حجم الخط

تأليف الحكومة: الملل والضجر

الكلام السياسي الفارغ يفيض، والحديث عن الحكومة والاتصالات والمفاوضات الماراتونية بين القوى المحلية يكاد يحجب حقيقة مُرّة، ان القرار الحاسم بتشكيل الحكومة اللبنانية لم يتخذ بعد. وبكل صراحة، وهنا نورد معلومات، ان الجهات الاقليمية المعنية لا تزال تحجب الضوء الاخضر فتحول دون ولادة حكومة جرى الاتفاق على صيغتها المجحفة بحق الغالبية النيابية، وتبعها مسلسل تنازلات لا قعر له ومع ذلك لا حكومة. والحال ان ثمة توافقاً على حصر الصراع حول الحكومة في الوسط المسيحي، فيؤتى بالجنرال ميشال عون كي يتصدر واجهة المطالب التعجيزية التي تؤخر ولادة الحكومة، وتكسب الطرف المعوق لولادة الحكومة وقتاً اضافياً في ظل تهدئة ميدانية ملحوظة يلتزمها من يملك ان يشعل حرائق الشارع على النحو الذي حصل في السنوات الاربع الاخيرة. والحكمة من دفع عون الى واجهة المسرح ليستعير دورا ليس له في الحقيقة، هي الحؤول دون اقتتال اسلامي – اسلامي في كل مكان من بيروت الى البقاع فالشمال، بدون ان ننسى الخطر الماثل فوق الجبل على رغم كل ما فعل النائب وليد جنبلاط، ويستمر اختراق قرى الجبل ومناطقه في شكل منهجي تارة بحملة شراء واسعة لأراض، وتارة اخرى بحملة اعمار لمجمعات سكنية اشبه بالقلاع في قلب الجبل وعلى تخوم قرى آمنة، وتارة ثالثة باستمرار التغلغل السكاني المسلح على طول الطريق الساحلية من بيروت الى صيدا من جهة، والقضم الديموغرافي في كل منطقة الغرب. هذه حقيقة قائمة وواقعة ولا تخدم كل المصالحات التي حصلت. اننا حقيقة امام واقع مخيف سيفيق اللبنانيون معه ذات يوم على لبنان آخر لا يعرفونه فإما ان يخضعوا، واما ان يرحلوا. ونكتفي بهذا القدر.

لا نريد مما تقدم العودة الى خطاب التشنجات بل نرمي إلى الإضاءة على ما يجري، وما لا يقال. وفي الاثناء ثمة ملهاة اسمها الحكومة وتشكيلها والعروض والعروض المضادة التي يراد من خلالها تصوير الواقع على نحو مغاير لما هو عليه. فاللبنانيون ملوا سماع نشرات الاخبار، ومتابعة الصحف بشأن الحكومة. وصارت قصة تشكيل الحكومة أمراً يتندر به المواطنون في مجالسهم. حتى ان كثيرين يقولون علنا انهم لا يأبهون للامر، ان تتشكل او لا تتشكل لا يهمهم، المهم ان يبقى السلاح في الشقق، وفي الغرف الخلفية لمداخل المباني. وفي المرحلة الاخيرة لم يعد المواطنون يتوقفون عند تفاصيل العروض التي تطير من مقر الى مقر.

لبنان بلا حكومة منذ 130 يوما ولبنان بخير! هذا ما يقوله اللبنانيون العاديون في مجالسهم التي تتعامل مع السياسة على انها جزء من أخبار المجتمع. وثمة ما يقلق في مقاربة الناس للموضوع، فالملل والضجر تمكنا منهم الى درجة انهم باتوا لا يتحمسون لشيء باعتبار ان المقاييس تبدلت الى حد بعيد. شعارات المعركة الانتخابية اختفت: الغالبية التي ربحت المعركة لم تعد غالبية بخروج "اللقاء الديموقراطي" منها، وصيغة الدوحة التي فرضت بالسلاح عادت وتكرست، و"حزب الله" بمسدسه على الطاولة يمنع قيام حكومة من دون ان يلوّح بموقف استفزازي علني واحد. وفي المقابل يرى من سيق الى صناديق الاقتراع وقبلها الى الشوارع بالسلاح لشهور طويلة تحت عنوان مواجهة "عملاء اسرائيل" والمتواطئين مع العدو في حرب تموز 2006 ان الشعارات سقطت، ففي رمشة عين صار الكل يناقش مسألة الدخول في حكومة واحدة مع "عملاء الأمس"، وصار من جرى التشهير بهم على انهم اسرائيليون يستقبلون في غرف مغلقة.

رب قائل ان لبنان بلد التسويات، وان الجميع في النهاية يكتشفون ان لا افق للتطرف والتقوقع والانحباس في مواقف جامدة. هذا صحيح. والصحيح ايضا ان لبنان بلد التكاذب السياسي، وهذا بالتحديد ما يدفع الناس الى الملل والضجر من كل ما يجري. ومسكين من يصدق ما تسمع اذناه او تراه عيناه في لبنان السياسة!

المصدر:
النهار

خبر عاجل