أزمة دولة أم أزمة نظام؟
انتزع لبنان استقلاله وبدأ ورشته لتنظيم الدولة وترسيخ النظام على أسس كانت قد وضعت مداميكها في عهد الانتداب الفرنسي. ولكن منذ ذلك العهد لاحت في الأفق حالة السباق بين اللبنانيين، اذ حاول كلّ طرف فرض رؤيته وعقيدته حسب قناعاته ومعتقداته وحتى علاقاته الاقليمية والدولية. وسط هذه التعددية في الرؤى، تداخلت عدة عوامل في الوضعية اللبنانية لتزيد من حالة الاختلاف فتحولها الى خلاف، وفي ما بعد الى حالة اقتتال شرذمت الوطن وجعلت منه ساحة معارك وبؤرا أمنية هددت وجوده وأحرقت صورته بين شعوب العالم.
اثر هذا الواقع، ارتأت بعض الدول الاقليمية والعالمية المعنية بشكل أو بآخر بالصراع اللبناني، ومن خلاله بصراع المنطقة، أن الحل لا بد أن يكون من خلال التسليم بالأمر الواقع، وهو أن لبنان عاجز، على الأقل ظرفيا، عن حكم نفسه بنفسه لعدة أسباب وأسباب. وبعدها، عاش لبنان حالة من الامساك الشديد بقراره وأمنه. وقد دفع اللبنانيون ثمن اقتتالهم أو اقتتال غيرهم من خلالهم أثمانا باهظة كان أقلها كرامتهم وحريتهم وعزتهم الانسانية.
وعند أول استحقاق، وعندما سنحت الفرصة للبنانيين مجددا كي يمسكوا بقرارهم الذاتي، ها هم يكادون يفقدون هذه الميزة التي ولو كانت بديهية بالنسبة لأي وطن من أوطان العالم، فهي لاتزال في دائرة الشك على الأقل بالنسبة لبعض الأطراف الداخلية منها والخارجية. وهنا لا بد من طرح العديد من الأسئلة التي قد تغيب عن أذهان بعض الذين يهللون لسماع الشعارات التي في ظاهرها خير للوطن، أما في حقيقة واقعها فهي مدمرة، تعيد اللبنانيين الى زمن سلبوا فيه القرار والحرية والتمايز.
هل يجوز لمن يؤمن فعلا بحكم الدولة ومؤسساتها أن يطرح شعار محاربة الفساد عند أول استحقاق تحاول الدولة اللبنانية من خلاله لملمة مكوناتها وتجميع قدراتها؟ ففي حين أن محاربة واستئصال الفساد أمر بديهي في أي دولة من دول العالم ومنها الدولة اللبنانية، الا أنه لا يجوز أن نجعل من هذا الشعار ذريعة للحؤول دون استرداد القرار الوطني وازالة كل الشوائب التي تعترض نهضة الدولة. فكيف نتكلم عن فساد في الدولة اذا كانت الدولة بحد ذاتها غائبة؟ وكيف لنا أن نقتنع أنه بالامكان محاربة الفساد في ظل غياب مؤسسات الدولة وفعاليتها؟ فهل يتم عند تشييد البناء وضع الجسور والأعمدة قبل الأساسات؟ هذا ليس أكثر من حق يراد به باطل.
فلماذا الوقوف اذا بوجه قيام الدولة وفعالية مؤسساتها؟ ولماذا المحاولات العديدة لاجهاض نتائج الانتخابات وفرض أمر واقع عكس ارادة اكثرية اللبنانيين؟ فلنسمح لمن انتخبه اللبنانيون وأولوه ثقتهم أن يحكم ومن ثم نحاسبه على أدائه. فاذا كان جيدا تجدد له الثقة واذا كان فاسدا يحاسبه الناس، وتحجب الثقة عنه ويستبدل عند أول استحقاق. أما أن نحاسب من انتخبهم الشعب قبل أن يحاسبهم الشعب وحتى قبل أن يتمكنوا من تظهير أدائهم علنيا وبالشكل الذي يؤمنون به، فهو رفض واضح ومن دون أدنى شك لكل النتائج التي آلت اليها الانتخابات والتي أفرزت أكثرية نيابية بارزة. وهذا يعاكس بشكل صريح كل المنطق الذي تسير وفقه الآليات الطبيعية للأنظمة الديموقراطية.
كما أن ذلك يطرح الشكوك في ما اذا كان من يرفض اعتماد نتائج الانتخابات مؤمنا بالفعل بالآليات الديموقراطية المعتمدة أو بطبيعة النظام اللبناني بمجمله. أما اذا كانوا يؤمنون بآليات أخرى أو حتى بنظام آخر فليطرحوا آلياتهم ونظامهم قيد المناقشة الصريحة، وهذا حق لهم، وليقلعوا عن المواربات والتبريرات التي يبتكرونها لتجميل صورة رفضهم لنتائج الانتخابات. وهنا نبادر الى التساؤل: ما هي الديموقراطية التوافقية؟ وما هي اسسها وآليات تطبيقها؟ وهل تتفق مع طبيعة النظام اللبناني المنصوص عنه صراحة في مقدمة الدستور، الا وهو ان لبنان جمهورية ديموقراطية برلمانية ؟
اذا كانت الديموقراطية التوافقية هي النظام الجديد للبنان حسب ما يلمح بعضهم اليه، فلماذا لا تطرح قيد المناقشة وليفصل اللبنانيون فيها. فاذا رفضتها اكثرية اللبنانيين يتم البحث عن مخارج أخرى، واذا اعتمدت يتم وضع الأسس والمكونات الضرورية لها بشكل واضح وصريح بدل أن تكون فكرة غيبية لا تعرف لها أبعاد أو حدود.
واذا كان الموضوع خارج النقاش أساسا، فلماذا يتذمر بعضهم كل مرة يطرح فيها أحد ضرورة تطبيق احدى الخصائص البديهية للديموقراطية، الا وهي حكم الأكثرية وفق الآليات المعتمدة في البلاد؟