هل فقد "الخارج" لمسته أم يُعطى أدواراً مضخّمة؟
محاذير لربط عرقلة الحكومة بالملف الإيراني
خلال الاشهر الاربعة الاخيرة من مساعي تأليف الحكومة كان ثمة اصرار لدى عدد من المسؤولين في لبنان على ارتباط هذا التأليف بمعادلة المصالحة بين المملكة العربية السعودية وسوريا، على نحو بات لا يعتقد معه ان اي تقدم سيتحقق من دون معادلة "س. س". وبعد اسابيع طويلة على المصالحة السورية – السعودية عادت المفاوضات حول تأليف الحكومة الى النقطة التي انتهى عندها الاعتذار عن التكليف الأول الذي قدمه رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري قبل ان يعاد تكليفه، اي عقدة حقيبة الاتصالات لـ"التيار الوطني الحر" لكن من دون تولي الوزير جبران باسيل هذه الحقيبة على نحو يدفع الى اسئلة كثيرة بعضها تثيره المعارضة من نوع التشفّي على اساس ان الرئيس المكلف عاد الى النقطة التي رفضها تحت وطأة الضغط والعرقلة، وكان يمكنه القبول بذلك من دون استدراج السوري والسعودي الى التوافق، بحيث يعود الى السوري تحديدا الفضل امام الخارج الاوروبي والعربي في التسهيل، علما انه لم يفعل ما دامت الامور عادت الى النقطة التي لم يتدخل فيها لهذا التسهيل. وبعض الاسئلة يثيره معنيون في الاكثرية من نوع اذا كان المسؤولون اللبنانيون يعطون الخارج ادواراً غير موجودة، ام ان هذا الخارج لم يعد فاعلا كما كان في السابق، وفقد لمسته السحرية في التأثير والضغط على حلفائه من الافرقاء اللبنانيين، أم ان هؤلاء الافرقاء يرغبون في اظهار استقلاليتهم وعدم مونة الخارج عليهم وفق ما يحاول ان يبدو العماد ميشال عون في استمرار عرقلته تأليف الحكومة ورفع سقف مطالبه، ويجاريه "حزب الله" في هذا التصرف.
ويخشى هؤلاء المعنيون ان ينسحب الامر نفسه على مقولة ربط استمرار ازمة الحكومة بالملف النووي الايراني بعدما باتوا يبرئون سوريا من العرقلة تبعا للاتصالات التي اجراها الرئيس السوري بنظيره اللبناني او بالتحرك الذي قام به النائب سليمان فرنجيه، علما ان هذه التبرئة قد تكون في محلها وقد لا تكون لان ظاهر الامور قد لا يكشف غالبا حقيقة باطنها. لكن كثراً يعتقدون أن ربط تأليف الحكومة بالملف النووي الايراني ينطوي على الأخطار نفسها واكثر للربط الذي جرى بالعلاقات العربية – العربية، ذلك ان أحداً لا يمكن ان يتجاهل تأثيرات المحيط العربي على لبنان وربما غير العربي ايضاً كما لا يتجاهل احد ان عون لم يكن ليتمادى في عرقلة تأليف الحكومة لولا انه يحظى بدعم "حزب الله" الذي ربط مشاركته في الحكومة كطائفة وكطرف بمشاركة عون. وهو العامل الذي يؤدي الى إثارة استنتاجات حول دور ايران الذي لا يخفي الحزب ارتباطه بها، لكن الربط العلني والصريح على هذا النحو والمبالغ فيه يخشى ان يؤدي الى امور عدة من بينها على نحو اساسي ترسيخ الاعتقاد، لا بل الاقتناع في الداخل كما لدى الدول المعنية في الخارج، بأن اي تقدم لم يعد ممكناً في لبنان من دون ايران، اي في ما يشبه الاقرار بدور محوري ترغب فيه ايران ولن ترفضه. فالتفاوض جار راهنا بين الغرب وايران على ملفها النووي، وتتحدث معطيات عن تقدم ولو ان تفاصيل كثيرة لا يتم الافصاح عنها مما يعزز هذه المعطيات من حيث المبدأ، وهو امر يثير تساؤلا اساسيا هل اذا نجح الغرب وايران في هذا التفاوض ينتقل التفاوض الى مواضيع اخرى تتعلق بالمنطقة وخارجها ومن بينها لبنان؟ والواقع ان هناك رأيين غربيين مختلفين في هذا الاتجاه، احدهما للأوروبيين يقول باحتمال التفاوض بين الغرب وايران على مجموعة كبيرة من الملفات والمواضيع، والآخر للأميركيين يرفض هذا الاحتمال. ولدى بدء التفاوض بين الغرب وايران قبل اشهر قليلة من اللقاء العلني الاول بين الدول الخمس الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الامن اضافة الى المانيا في جنيف في الاول من تشرين الاول، وضعت ايران على الطاولة حزمة ملفات ترغب في التفاوض فيها مع الغرب جنبا الى جنب مع التفاوض على ملفها النووي، وهو الامر الذي رفضه الاميركيون كليا ولم يقولوا انهم سيناقشونه لاحقاً وبعد الانتهاء من التفاوض حول الملف النووي. لكن المعطيات أفادت انهم اوحوا ان الاصرار على هذا الربط سيؤدي الى فتح ملفات داخلية لايران لا ترغب في مناقشتها او عرضها مع الغرب. وتالياً فان ربط موضوع الحكومة اللبنانية بملف النووي الايراني يعني الانتظار لمدة غير قصيرة، والربط بين موضوع التفاوض والملفات الاخرى يعني الانتظار بضعة أشهر على الاقل. وهذه النقطة تفتح الباب على محاذير، من بينها ان يصدق الافرقاء اللبنانيون ان التفاوض على موضوع لبنان حاصل لا محالة، فيدفعون الاكثرية كما المعارضة في اتجاه انتظار ما سيؤول اليه من نتائج. ومن هذه المحاذير ايضا الافتراض ضمنا ان التفاوض من هذا النوع يعني في شكل اساسي سلاح "حزب الله" ومصيره، مما يساهم في تعقيد الامور في كل الاتجاهات في حال أثيرت حسابات من هذا النوع، علماً ان الولايات المتحدة لم تظهر استعداداً او رغبة في اي وقت، أقلّه وفق المعطيات المتوافرة راهنا، للتفاوض في موضوع "حزب الله"، لا مع سوريا ولا مع ايران، على رغم الطلب من سوريا وقف دعمها للحزب وامرار السلاح اليه المرسل من ايران، لكن المطالب شيء والتفاوض شيء آخر. ومن هذه الزاوية لا يرى سياسيون معنيون بتأليف الحكومة مصلحة في اشاعة وجود هذا الربط بين الوضع اللبناني والملفات الايرانية حتى لو كان هناك امتدادات بين الوضعين.