كلام البطريرك ليس "مبدئياً" فقط.. إنّما تنبع قوّته من توقيته وسياقه
هل يمكن أن ترضى الأقليّة بتنازلات لا تشمل تفكيك الأكثرية؟
لماذا اهتمّ العالم كلّه بضمان إجراء إنتخابات تشريعيّة تراعي الأحكام الدستوريّة والنظم والمهلل القانونية في لبنان رغم أنّ أحداً في هذا العالم لم يكن بوارد إسناد هذه الإنتخابات بما يضمن الأخذ بنتائجها؟
يوحي هذا السؤال بالتشاؤم ويبعث على التكدّر، ليس في ذلك شك. مع ذلك يمكن العثور على إجابة قد تبعث على شيء من التفاؤل: ذلك أنّ الطرف الذي بمستطاعه، ودون كبير جهد، تعطيل الأخذ بنتائج الإنتخابات، تعليقاً وإرجاءً، هو نفسه الطرف الذي سيبقى عاجزاً سواء بالميزان الداخلي أو بميزان البعدين الإقليميّ والدوليّ، لجهة شطب هذه النتائج وإعتبارها بحكم الملغاة. يمكنه منع "الرابح" من الإستفادة من "ربحه"، لكنه لا يمكن إلغاء هذا الربح.. إلا بالغاء الهوية المشتركة للأطراف التي تشكّل "الفريق الرابح".
وهذا يعني أنّ قوى التعطيل في لبنان ليس يمكنها الإكتفاء بـ"تعليق" النتائج أو "إحتجازها"، فهذه النتائج لا تنحصر فقط في ما يبنى على أساسه لإعادة انبثاق المؤسسات الدستوريّة بعد الإستحقاق. ثمّة نتائج استراتيجية حاصلة منذ اليوم التالي للإنتخابات مباشرة ومحورها: إهتزاز الأسّس التي قام عليها مشروع "الهيمنة" المذهبيّ الأخير الذي كشف عن نفسه بشكل منهجي على إمتداد أحداث النصف الثاني من عام 2006، وإرتداد حجّة هذا المشروع عليه، بعد أن كان يتظاهر بإقناع نفسه بأنّه لو جرت انتخابات لفاز بها، فكان أن حصلت المنازلة الديموقراطية وهُزِمَ فيها المشروع.
لا يعني ذلك أنّه قد جرى "الإنتصار" على هذا المشروع الهيمنيّ المذهبي الأخير الذي يطرحه فريق على إخوته في الوطن، وإنّما حصل أنّ هؤلاء الأخوة أفلتوا من "الكارثة" بفعل الإنتخابات، وما زالت نتائج الإنتخابات تقيهم شرّ تلك الكارثة التي كانت وقعت على لبنان ككيان، والتي حذّر منها البطريرك الماروني نصر الله صفير عشية الإستحقاق، ولم يكن لهذا التحذير أن يؤثّر بالشكل الذي أثّر فيه إلا لأنّه اكتفى بـ"تسمية" ما كان يفكّر به معظم اللبنانيّين دون تسميته: الخطر المحدّق بـ"الكيان".
بيد أنّ الإفلات من الكارثة المحدّقة بـ"الكيان" ليس يعني تلقائياً الإفلات من الإستنزاف المهدّد لـ"النظام الدستوريّ" ومرتكزاته الميثاقية. بمعنى آخر: ما عادت "الكارثة" سهلة الحصول بعد الإنتصار الإنتخابيّ للحركة الإستقلالية، إنّما لم يعد واضحاً ما الذي "أصبح ممكناً" أو في المتناول، وما الذي يمكن فعله أو البناء عليه في هذا البلد.
من هنا، فإن المشروع الهيمنيّ، المنكفئ مجدّداً إلى مستوى التعطيل والمرابطة، ليس يمكنه تجاوز النتائج الإنتخابية بشكل استراتيجي إلا بإلغاء "الذات الجماعية" التي حقّقت الإنتصار في هذه النتائج، وليس فقط بتعليق هذه النتائج والحؤول دون التحاكم إليها لإعادة انبثاق المؤسسات عموماً ولتشكيل الحكومة على نحو أكثر تحديداً.
فبعد أن كانت المهمّة التي يرسمها هذا المشروع هي الإطاحة بـ"الذات الجماعيّة" لحركة الإستقلال اللبناني الثاني مجتمعة، صار "تقطيع أوصال الحركة الإستقلالية"، بل حمل هذه الحركة على تقطيع أوصال نفسها، هو "الخطّة المركزيّة"، وصار هذا المشروع يقايض رفع التعطيل بما تبذله الحركة الإستقلاليّة من جهد على صعيد تقطيع أوصالها، وصار كل "تنازل" تبديه هذه الحركة أو ركن من أركانها لا يقدّم ولا يفيد إن لم يكن جهداً يعود بالفائدة على عملية "تقطيع أوصال الحركة الإستقلالية".
فالقوى التي لا تريد إقامة الوزن بالقسط إنّما تتعامل مع كل "بادرة" وكل "حوار" وكل "تفاوض" وكل "عرض" وكل "تنازل" وكل شيء من زاوية إسهامه إيجاباً أو سلباً في إلغاء الفكرة المركزية التي إسمها "ثورة الأرز" أي مشروع الإستقلال الثاني للبنان المبنيّ على المناصفة الإسلاميّة المسيحية، والذي يعيش أركانه هذه المناصفة من خلال التعدّدية المتحدة في إئتلاف سياسيّ واحد.
ويبدو أنّ الأقلية لم تقبل أبداً بالحل الذي ابتكرته "14 آذار" لنفسها حين اعتمدت التمييز بين الأكثرية البرلمانية من حيث هي كذلك، وبين إطار "14 آذار" من حيث هو جبهة سياسيّة استكمالية لـ"انتفاضة الاستقلال" و"ثورة الأرز".
ويأتي ذلك في حين أنّ الميول الفطرية والتلقائية لدى جمهور الإئتلاف كانت تنحو بالأحرى، بعد الإنتخابات، إلى نقل هذا الإئتلاف السياسيّ إلى مرتبة "الكتلة التاريخية"، إذ ليسَ إلا الكتلة التاريخية، المبنية على إستراتيجية طويلة الأمد، من يمكنها حل التناقض المستحكم بين "الديموقراطية" و"السلاح"، لصالح لبنان أوّلاً ولصالح الديموقراطيّة أوّلاً في لبنان.
من هنا يمكن القول ان الكلام الأخير للبطريرك صفير لم يكن "مبدئياً" فقط، بقدر ما جاءت قوّته في "مناسبته" وفي سياقه الزمنيّ الحدثيّ. فهذا الكلام يمكن ترجمته على صعيد خارطة الأزمة السياسية بالشكل التالي: إن كانت الأقلية لا ترضى بكل تنازلات الأكثرية ما لم تشمل هذه التنازلات تفكيك الأكثرية، فإن هناك نزعات شعبية حقيقية لا يمكن أن تقبل بأن تضيع أصواتها في الإنتخابات الماضية، وهذه النزعات إنّما يعبّر عنها البطريرك أصدق تعبير، كونه يعود إلى النقطة المركزية: التناقض بين الديموقراطية والسلاح.