#adsense

ولادة الحكومة حسب التوقيت الإيراني؟!

حجم الخط

ولادة الحكومة حسب التوقيت الإيراني؟!

بعد تلاشي أجواء التفاؤل التي اشاعتها الأحاديث السورية عن قرب تشكيل الحكومة قبل نهاية تشرين الأوّل المنصرم··· لم يعد الحديث عن تقديم تنازلات مفيداً، لأن الأزمة الحكومية ما زالت عالقة، على ما يبدو، في شباك الملفات الإقليمية، باشراف، بل وبإصرار، من اللاعب الإيراني المُمسك بتلابيب أزمات المنطقة!·
لم يبق لدى الأكثرية النيابية ما تقدمه من تنازلات، غير التنازل عن مقاعدها كأغلبية في البرلمان·

ولم يبق أمام الرئيس المكلّف ما يقدمه من تضحيات غير التخلي عن منصبه في رئاسة الحكومة·

ورغم كل ما تمّ تقديمه من الأكثرية من تنازلات وتضحيات، وعلى طريقة رضي القتيل ولم يرض القاتل، ما زالت قيادات في المعارضة تطالب بالمزيد، وما زال التيار العوني يتمسك بشروطه التعجيزية و <الإذعانية> من دون أن يتزحزح قيد أنملة عن مواقفه المتصلبة، والتي ما زالت تعطّل ولادة الحكومة العتيدة!·

* * *
في البداية، حاولت أطراف في المعارضة تحويل العرف المعمول به منذ اتفاق الطائف، والقاضي بعدم توزير الراسبين في الانتخابات، إلى عقدة مستعصية الحل، فاستوجبت معالجتها بضعة أسابيع من عمليات الأخذ والرد، تبين في ما بعد أنها لا تُسمن، ولا تقدّم شيئاً على درب التأليف!·

ثم جاءت مناورات المطالبة بالوزارات السيادية تارة، وبالوزارات <الدسمة> تارات أخرى، وفي مقدمتها وزارة الاتصالات، لتزيد حساسيات المفاوضات الحكومية تعقيداً، اقتضت معالجتها أسابيع أخرى من البحث عن <الصيغة المناسبة> من دون الإخلال بالتوازنات التي كرّستها نتائج الانتخابات!·

وعندما حاول الرئيس المكلّف تقديم <تضحيات شجاعة>، لإنقاذ البلاد والعباد من مهاوي الفراغ الحكومي وتداعياته الخطيرة على الوضعين الاقتصادي والأمني، فوجئ بـ <دفعة جديدة> من الشروط التعجيزية تبدأ بالإصرار على بقاء الوزير جبران باسيل في وزارة الاتصالات، ولا تقف عند حدود رفض الوزارات الأخرى المقترحة، بل وصولاً إلى المطالبة بوزارة دسمة أخرى مثل التربية أو العدل أو الطاقة، على حدّ قول الأوساط العونية نفسها!·

عندها أدرك اللبنانيون أن ولادة الحكومة ليست مسألة داخلية محضة، كما هو الحال في بلدان العالم المتمدن، بل هي ما زالت قضية إقليمية بامتياز، وإن كان التوقيت الحاسم سيعتمد الفلك الإيراني، على ذمّة أهل التعطيل والتعجيز في الداخل اللبناني!·

* * *
لماذا تسعى طهران للإبقاء على الورقة اللبنانية في يدها، وتوعز لحلفائها الأقربين والأبعدين، بالاستمرار في مناورات تعطيل تأليف الحكومة؟·

لا نبالغ إذا قلنا أن النظام الإيراني يُعاني حالياً من وضع لا يُحسد عليه، حيث تتراكم المشاكل الداخلية وتزيد من تداعيات الضغوط الخارجية التي تُمارس على الجانب الإيراني لدفعه إلى التخلي عن برنامجه النووي الملتبس، والاكتفاء بالعمل على إنتاج الطاقة النووية لأهداف سلمية وتنموية، وبإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية وبعض عواصم القرار الدولي، وفي مقدمتها موسكو·

وجاء التعثر الحالي في المفاوضات الإيرانية – الدولية حول اقتراحات تخصيب اليورانيوم خارج الأراضي الإيرانية، ليزيد المشهد الإيراني توتراً، ويُهدّد باحتمال أن تُقدم أطراف ايرانية نافذة على نقل هذا التوتر إلى بعض الأزمات الساخنة في المنطقة، على غرار ما يحصل حالياً في حرب صعدة في اليمن، أو التفجيرات الدموية في العراق، أو على نحو ما قد يحصل في لبنان من إعادة الأزمة إلى الشارع، أو العودة بالوضع الفلسطيني إلى مرحلة الصدام المباشر بين فتح وحماس، بعد تعطيل المصالحة بينهما، بعدما كادت تصل إلى حفل التوقيع الرسمي!·

ومما زاد المشهد الإيراني توتراً في الآونة الأخيرة، تزايد الهواجس الإيرانية من الخط الاستراتيجي الجديد الذي تسير عليه سوريا منذ فترة، والذي برزت معالمه من طلائع العودة السورية القوية إلى الفضاء العربي من خلال المصالحة السعودية – السورية والانفتاح العربي المستجد على دمشق، بالاضافة إلى التطور الكبير للعلاقات السورية مع الجار التركي، والذي أدى الى عقد تحالف استراتيجي بين البلدين بسرعة زمنية قياسية، ثم ترجمته عملياً بأسرع مما كان متوقعاً عبر الإقدام على فتح الحدود، وإلغاء الحواجز الجمركية والضريبية أمام حركة البضائع والاستثمارات بين الجارين·

وبدأ تمايز السياسة السورية عن حليفتها الإيرانية يظهر في أكثر ملفات المنطقة الساخنة، بدءاً من التركيز السوري على المفاوضات المباشرة لاستعادة الجولان من الاحتلال الإسرائيلي، إلى عدم تأييد الحوثيين في حرب صعدة، إلى دعم جهود المصالحة الفلسطينية، الى محاولات استعادة التوازن المفقود في تركيبة السلطة العراقية، وأخيراً إلى تسهيل عملية تشكيل الحكومة اللبنانية عبر الحلفاء الأقربين لدمشق·

* * *
هل يعني ذلك أن طهران قادرة على التعطيل في لبنان فترات طويلة أخرى؟·
ليس من السهل الرهان على تبدّل سريع في السياسات الإيرانية في المنطقة، طالما بقي التعثّر الحالي يُحيط بمفاوضات الملف النووي الإيراني·

ولكن السؤال الأهم يبقى:
إلى متى يستطيع حلفاء ايران في لبنان أن يتحملوا أخطار استمرار التعطيل الحالي، ليس لولادة الحكومة وحسب، بل لكل المؤسسات الدستورية الأخرى، لا سيما رئاسة الجمهورية ومجلس النواب؟·

المصدر:
اللواء

خبر عاجل