إذا كانت الأكثرية غير ميثاقية فالسلاح خارج الشرعية غير ميثاقي أيضاً
الحكومات لن تكون إلا وفاقية مدة المجلس الحالي
في انتظار ان يقر مجلس النواب مشروع قانون جديدا للانتخابات النيابية يعتمد النظام النسبي والصوت التفضيلي لانه النظام الذي يراعي القواعد التي تضمن العيش المشترك بين اللبنانيين ويؤمن صحة التمثيل السياسي لشتى فئات الشعب واجياله وفعالية ذلك التمثيل، وفي انتظار ان يقر المجلس ايضا مشروع قانون يفصل النيابة عن الوزارة، فان الحكومات التي تشكل بوجود المجلس الحالي لن تكون سوى حكومات وحدة وطنية تجمع الاكثرية والاقلية، على تناقضاتهما في كثير من المواقف ولا سيما حيال المواضيع الاساسية، وهي حكومات تعتمد في تأليفها القواعد التي تم الاتفاق عليها في مؤتمر الدوحة مع تعديلات طفيفة في الحصص. وهذا يجعل نتائج الانتخابات من دون جدوى ولا احترام فيها لارادة الناخبين، ولا وجود لمعارضة تحاسب الحكومة وتسائلها لا في مجلس النواب ولا خارجه بل تنتقل هذه المعارضة من داخل مجلس النواب الى داخل مجلس الوزراء، خلافا لكل نظام حيث تشتد المماحكات والمشاحنات بين وزراء الاكثرية ووزراء الاقلية وينعكس ذلك شللا وشبه تعطيل لعمل المؤسسات.
وتوقفت اوساط سياسية عند قول النائب عن "حزب الله" نواف الموسوي في حوار تلفزيوني ان الاكثرية المطلوبة ينبغي ان تكون اكثرية "ميثاقية" بعد ان كان الحزب يطالب بان تكون الاكثرية شعبية لا ان تكون اكثرية نيابية فقط، وكأن الانتخابات لا تعبر عن حقيقة ارادة الناخبين. والقول بان تكون الاكثرية "ميثاقية" معناه ان يصبح تأليف الحكومة مقبولا منها لان هذه الاكثرية تكون تتألف من كل المذاهب والمناطق وتمثلها تمثيلا صحيحا، وهذا قد يندر حصوله فيصبح تأليفها من الاكثرية والاقلية امرا محتوما تحقيقا للوفاق الوطني او الائتلاف السياسي. وهو الوضع الذي تفرضه الاكثرية الحالية التي هي اكثرية نيابية وليست اكثرية شعبية في نظر "حزب الله" ولا هي اكثرية ميثاقية وهي التسمية الجديدة التي طلع بها الحزب، لانها لا تتألف من كل المذاهب والمناطق وتمثلها تمثيلا صحيحا ولا سيما شيعيا. واذا كان التمثيل الدرزي فيها هو تمثيل صحيح، فان النائب وليد جنبلاط رفض تأليف الحكومة من هذه الاكثرية، واعلن انه لن يشارك فيها، فتكون عملية التأليف قد فقدت عندئذ عنصرا جديدا هو العنصر الدرزي، فضلا عن فقدانها العنصر الشيعي، وهو ما يفرض تأليف حكومة وحدة وطنية من الاكثرية والاقلية معا كي تعتبر عندئذ حكومة ميثاقية.
وكلمة "ميثاقية" بالمعنى الذي يعطيه "حزب الله" وحلفاؤه ينسحب على انتخاب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة، بحيث ان اي مذهب يقاطع انتخاب اي منهم يجعله رئيسا غير ميثاقي وهو ما اشارت اليه صحيفة سورية عندما لم يسم نواب "التحالف الشيعي" في الاستشارات النائب سعد الحريري لتشكيل الحكومة. فاذا كان هذا هو المعنى لكلمة "ميثاقية" فان اي اكثرية نيابية، الا نادرا، يجب ان تتألف من كل المذاهب والمناطق ويكون تمثيلها تمثيلا صحيحا كي يحق لهذه الاكثرية تأليف حكومة منها من دون حاجة الى اشراك الاقلية فيها، واذا كان هذا هو معنى "الميثاقية" فان السلاح خارج الشرعية غير ميثاقي، ولا يحق لفئة استخدامه من دون موافقة فئة اخرى…
هذا الوضع لم يكن قائما في السابق لا في ظل الدستور القديم ولا في ظل دستور الطائف، ذلك ان النائب ليس نائب مذهبه او طائفته او منطقته انما هو نائب "يمثل الامة جمعاء ولا يجوز ان تربط وكالته بقيد او شرط من منتخبيه" (المادة 27). وجاء في الفقرة "ج" من مقدمة الدستور: "لبنان جمهورية ديموقراطية برلمانية (ولم يقل مذهبية او شعبية) تقوم على احترام الحريات العامة، وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد وعلى العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين من دون تمايز او تفضيل". ونصت الفقرة "د" على ان "الشعب هو مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية"، ولم يميز بين شعب ينتمي الى هذا المذهب او ذاك او الى هذا الحزب او ذاك بل استعمل كلمة "الشعب" وهو يعني كل المذاهب والاحزاب والمناطق، والا لكان يتعذر انتخاب رئيس للجمهورية اذا شارك في انتخابه نواب مذهب يعتبر نواب آخرون انهم لا يمثلون مذهبهم او محيطهم تمثيلا صحيحا فيكونون بذلك لا يعترفون بأصوات الناخبين الذين حققوا لهم الفوز بالنيابة سواء كانت من هذا المذهب او ذاك بالقول انها ليست اصواتا صافية لمذهب واحد… ان هذا التفسير لوضع كل نائب ومن يمثله لم يكن واردا في كل العهود وفي كل المجالس النيابية، بل كان توزير نائب الى اي مذهب او حزب انتمى انما يمثل مذهبه، وحزبه، ولم يكن يتصدى لتوزيره نائب آخر ليتهمه بعدم تمثيله المذهب او الحزب تمثيلا صحيحا. فعندما لم يكن في الامكان توزير كمال جنبلاط والامير مجيد ارسلان مثلا كان يتم توزير الدكتور حسن مشرفية وسعيد حماده وصلاح سلمان وبشير الاعور وخالد جنبلاط وسامي يونس ونجيب صالحه ونجيب علم الدين، وغيرهم، وعندما لم يكن في الامكان توزير كميل شمعون وريمون اده وبيار الجميل وسليمان فرنجيه، كان يتم توزير عدد من النواب او غير النواب الموارنة، وهكذا بالنسبة الى زعماء آخرين من المذاهب الاخرى، من دون ان يشكل توزيرهم انتقاصا من قيمة احد او من وزن اي مذهب او من صحة تمثيله في الحكومة. ولم تكن عبارة "ميثاقية" معناها ان يتمثل كل مذهب بزعيم من زعمائه فقط او بمن يمثل هذا المذهب تمثيلا صحيحا وربما بعد موافقة هؤلاء الزعماء. وكان هناك نواب من درجات متعددة وقيم واوزان متفاوتة.
يقول النائب السابق فارس بويز بهذا الصدد ان ما يحصل في لبنان ليس من مسؤولية الصيغة، بل من جراء الممارسة لها. فالمشكلة تكمن في واقع الاصطفاف المذهبي الذي لا مثيل له في لبنان. فلبنان مبني دوما على تعددية التمثيل داخل المذهب وهو ما كان يعطي خيارات تحالفية وخيارات توفيقية عديدة، وكان يوجد دوما في كل مذهب اقطاب، فان استحال التعاطي مع اي منهم فهناك خيارات اخرى، وهذه مسؤولية الشعب والناخب. اما اليوم فان استبعاد اي قطب او من يمثله وبموافقته تهميشا للمذهب الذي ينتمي اليه خصوصا اذا كان من المذاهب الكبرى في البلاد، وهذا يجعل تكوين السلطة من دون هذا المذهب مستحيلا، وهنا يبرز الخلل الذي لم يكن موجودا في الماضي، اذ كان عند كل مذهب خيارات عديدة لتمثيلها سواء باقطاب او بغير اقطاب، من الصف الاول او من الصف الثاني او الثالث ولا اعتراض على ذلك. اما اليوم فان اي مذهب من المذاهب الكبرى اذا لم يتمثل بقطبها او بمن يسميه هذا القطب فان تركيبة السلطة والحكم تكون منقوصة ولا تراعي قواعد العيش المشترك. ويختم بويز بالقول: "ان الاصطفاف المذهبي القائم هو اصطفاف يجعل اللعبة السياسية المرنة مستحيلة، اذ اصبحنا امام ديكتاتورية المذاهب. والمشكلة ليست في الصيغة بل في ممارسة العمل السياسي لهذه الصيغة، وان اكبر خطأ ترتكبه المذاهب انطلاقا من خوفها وقلقها على المصير، هو في التوجه الى القائد او الزعيم الاوحد. فاذا سلمنا جميعا باننا اقليات وجميعنا قلقون على مصيرنا، فعلينا ان نقيم خطوط دفاع متعددة وليس خط دفاع واحدا حتى اذا ما سقط سقطنا جميعا معه. فانتخابات 2005 و2009 انتجت مشكلة وهي هذا الاصطفاف المذهبي المطلق وراء اشباه آلهة الطوائف وهو ما يعطل اي حالة من حالات التعاطي المرن في اللعبة السياسية اللبنانية، وهذا الوضع لا يحل عبر مذهب واحد، بل يجب ان تحله كل المذاهب مجتمعة، وهذا يفترض الاتفاق على قانون انتخاب جديد مبني على النسبية.