استعر عقلاً إيرانياً!
ليس على المعارضة وخصوصا "حزب الله" الا التمترس وراء مطالب الجنرال ميشال عون الازلية والمتناسلة، لكي تستمر المراوحة في ازمة تعطيل تشكيل الحكومة!
وفي المقابل، وعلى طريقة الاقنية المتصلة، ليس على عون الا التمترس وراء "ختم العظمة" اي "حق الفيتو" الذي اعطته اياه المعارضة وخصوصا "حزب الله"، عندما اعلنت انها لن تدخل الحكومة الا مثل حاشية تسير وراء الجنرال!
منذ ذلك الحين، بدا واضحا ان ليس على الرئيس المكلف سعد الحريري كزعيم للاكثرية الا واحد من اثنين:
اما ان يقدّم على طريقة صالومي رأس الاكثرية المنتصرة انتخابيا على طبق من فضة الى الاباطرة في المعارضة، واما ان يسأم من الاحراج فيخرج من مهمة تشكيل الحكومة، بما يمثل هزيمة شخصية له وهزيمة ثانية للاكثرية، واستطرادا للوطن والديموقراطية، وطبعا "للوحدة الوطنية" التي تقرع طبولها فوق منابر المعارضة الممتدة من لبنان الى عمق الخليج.
❑ ❑ ❑
لكن سعد الحريري لأسباب وطنية تتصل بـ"انتفاضة الاستقلال"، وهي الكلمة التي قد تصيب خصومه بالصداع. وكذلك بالارث الاخلاقي وقواعد الوفاء لعهد الدم الابوي وقد اريق لسيادة لبنان وحريته. ولأسباب تتصل بارادة الناس التي خرجت مدوية من صناديق الاقتراع وبروح الديموقراطية ايضا، ولأسباب تتصل بالتصميم الشخصي على ايصال جسر الوطن المقصوف الى الضفة الاخرى، لكل هذا لم يذهب الى اليأس، لكنه يستعين بصبر ايوب على صبر بلا حدود، ربما لانه نشأ على قول والده دائما: "ما بيصح الا الصحيح"!
ولكن لكي يصح الصحيح، لا بد من الوقت وان طال الزمن، وطال انتظار الناس، وطالت غلواء التقاطع الاقليمي والدولي فوق رقعة هذا الوطن البائس. فالقصة لم تعد قصة حكومة تُشكل او لا تشكل كما آلت اليه الامور، ولا قصة وزارة اتصالات تقوم على حكي اللبنانيين بأصلهم طبعا، ولا قصة وزير فريد لا يقدر غيره في البلاد على كبح جماح هذه الوزارة.
القصة قصة انقلاب متدرج هدفه بالتالي افشال الاكثرية ودفع البلاد من ازمة حكومية الى ازمة نظام، وهو امر يلبي مجموعة من الاهداف الخارجية، وفي مقدمها محاولة تقديم اثبات عملي وواقعي على ان لبنان بلد قاصر وغير قادر على حكم نفسه، وانه يعجل الخطى نحو الفشل والانهيار، من خلال التغييب المتمادي لمنظومة سلطات الدولة ومؤسساتها.
❑ ❑ ❑
لم يعد الامر يحتاج الى تقديم القرائن واستذكار المواقف. فما حصل حتى الآن واضح وصريح ومفهوم. والسؤال الموضوعي الذي يفترض ان يطرح في ضوء ما قيل على لسان المعارضين، من قبول الاحتكام الى الانتخابات، ثم بازاء ما نشهده من تعقيدات مفتعلة عطلت وتعطل تشكيل الحكومة هو:
ما هو الشيء الذي لم يجربه بعد الرئيس المكلف لكي يطوي صفحة ازمة تشكيل الحكومة المفتعلة والمستفحلة في وجهه كما في وجه لبنان الوطن؟
منذ 140 يوما فعل كل شيء تقريبا. حاول في مرحلة التكليف الاول ترجمة شعاره عن حكومة لم الشمل والعمل الوطني المتضامن، فكانت مشاوراته على قاعدة روح المشاركة والوحدة الوطنية. وقبل مع الاكثرية بمنطق "الثلث المعطل" المتواري وراء صيغة 15 + 10 + 5، مفترضا ان التهديدات الخارجية المتزايدة والملفات الداخلية المتفاقمة، تدعوه الى المبادرة لاظهار روح التضحية بما يمهد الاجواء ويفتح القلوب وينير العقول، توصلا الى برنامج عمل وطني انقاذي، طالما تطرق الى عناوينه الاصلاحية خلال الانتخابات النيابية، التي قالت المعارضة بصوت صارخ ايضا، ان من يربح فيها يحكم ومن يخسر يعارض. فأين الافعال من الاقوال؟
وحاول في مرحلة التكليف الثانية ولا يزال يحاول جعل مشاوراته حوارا وطنيا يصنع برنامج عمل انقاذيا يقبله الجميع وتشكل على اساسه حكومة وحدة وطنية متفاهمة ومتعاونة.
❑ ❑ ❑
ولكن من قال ان من المقبول على سبيل المثال لا الحصر وسط الظروف والحسابات الايرانية الراهنة، انه يمكن مرور الحكومة العتيدة لمجرد اشعال الضوء الاخضر سعودياً وسورياً، او لمجرد قيام اوركسترا عالمية تستعجل تشكيل هذه الحكومة؟
ولكي يصبح السؤال اكثر وضوحا، ليس علينا الا ان نستعير عقلا ايرانيا ونفكر:
سوريا تتصالح مع السعودية – سوريا تتحالف مع تركيا – سوريا تغازل اميركا – سوريا تعانق فرنسا – سوريا تصالح مصر – سوريا تعرب عن استعدادها لمواصلة المفاوضات مع اسرائيل برعاية تركية – اميركية – سوريا تسعى الى تطمين اميركا عراقياً.
ومتى كل ذلك؟
في حشرة المفاوضات الايرانية النووية، وفظاظة المناورات الاميركية – الاسرائيلية الصاروخية، استعر عقلا ايرانيا وفكّر:
سوريا تبتعد؟ إذاً لن نجعل لبنان يبتعد معها. والاتصالات ماشية بلا انقطاع… والله اعلم!