لا قيام لدولة ولا احترام لدستور ولا وحدة وطنية من دون معالجتها
أربعة اقتراحات لحلّ معضلة السلاح خارج الشرعية
السؤال الذي سيظل يقلق الناس حتى بعد التوصل الى تأليف الحكومة، كما كان يقلقهم قبل التوصل الى انتخاب رئيس الجمهورية هو: هل يمكن ان تقوم في لبنان دولة قوية قادرة وعادلة في ظل الاصطفافات المذهبية ووجود سلاح من مختلف الأنواع والعيارات خارج الشرعية؟ واذا كان للاصطفاف المذهبي علاج عبر انشاء احزاب وطنية، وقانون انتخاب يعتمد النسبية، فما هو العلاج لوجود هذا السلاح؟
الواقع، ان ابقاء هذا الموضوع خارج التداول كما يرى البعض لتجنب الخلافات والانقسامات الداخلية، ليس حلاً لأن "من يخفي علته يموت فيها"، عدا ان بعضاً آخر ليس من هذا الرأي ويصر على بت الموضوع بالتوصل الى اتفاق وذلك بمناقشة حلول مقترحة هي الآتية:
أولاً: اذا كان السلاح خارج الشرعية هدفه مقاومة إسرائيل وتحرير ما تبقى من الاراضي اللبنانية المحتلة، فان هذا يتطلب الاتفاق اقله مع سوريا على اعتماد استراتيجية مشتركة واحدة، فاما ان يتم هذا التحرير بواسطة المفاوضات وهو ما بدأته سوريا عبر الوسيط التركي، ويكون لبنان شريكاً في هذه المفاوضات في مرحلة من مراحلها المتقدمة باعتبار ان تحرير مزارع شبعا يخضع للقرار 242 الذي يخضع له ايضاً الجولان ويجعل المسارين متلازمين. وهذا القرار يدعو الى اجراء مفاوضات مع اسرائيل، وعندئذ تنتفي أسباب وأهداف الاحتفاظ بالسلاح خارج الشرعية وتصبح طريقة مواجهة الاحتلال الاسرائيلي في لبنان كما هي في سوريا. اما اذا صار اتفاق لبناني – سوري على ان تحرير الاراضي التي لا تزال تحتلها اسرائيل لن يتم إلاّ بالمقاومة عملاً بالقول ان ما اخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، فان التنسيق بين سوريا ولبنان يصبح ضرورياً ويحتم وضع استراتيجية دفاعية او استراتيجية مواجهة موحدة ضد اسرائيل، وهذه المواجهة اما تكون عسكرية ونظامية واما تكون بالمقاومة وبحرب غير نظامية لأنها قد تكون اجدى وافعل كونها تربك الجيش الاسرائيلي أكثر من الحرب النظامية التي لا تكافؤ فيها. واعتماد هذه الاستراتيجية يتطلب تعزيز المقاومة اللبنانية الى جانب ايجاد مقاومة سورية تُفتح امامها الجبهتان اللبنانية والسورية في وجه اسرائيل كي تكون فاعلة ومؤثرة وتجعل اسرائيل تخرج من الأراضي اللبنانية والسورية التي لا تزال تحتلها كما نجحت المقاومة اللبنانية من قبل في جعل الجيش الاسرائيلي ينسحب من الجنوب تنفيذاً للقرار 425 الذي ظلت اسرائيل على مدى سنوات ترفض تنفيذه مع ان هذا القرار يدعوها الى الانسحاب من دون قيد ولا شرط.
ثانيا: اذا كان اتفاق لبنان وسوريا على ذلك متعذراً لأي سبب من الاسباب، وظل فريق من اللبنانيين يصر على ان يتم تحرير ما تبقى من الاراضي اللبنانية بالمقاومة وعدم انتظار نتائج مفاوضات السلام مع اسرائيل، التي قد تكون بعيدة المنال مع حكومة يمين اسرائيلية متطرفة، فان هذه المقاومة ينبغي ان ينحصر وجودها في مناطق محددة في الجنوب وفي البقاع، ويحظر وجودها في مناطق أخرى بحيث لا يكون فيها سلاح غير سلاح الدولة، او ان يوضع السلاح خارج الشرعية في كنف الدولة ويتم استخدامه ضد اسرائيل بقرار يصدر عن السلطة اللبنانية، خصوصاً ان "حزب الله" مشارك فيها وان اي قرار يصدر عن مجلس الوزراء انما يصدر بمشاركة وزراء الحزب والوزراء المتحالفين معه، بحيث لا يعود ثمة خوف من التفرد باتخاذه.
أما اذا كان للسلاح خارج الشرعية وظيفة في الداخل وليس فقط لمواجهة العدو الاسرائيلي، ويرفض حاملوه حصره في مناطق محددة ولا اخضاع استخدامه لقرار يصدر عن مجلس الوزراء فمعنى ذلك انهم يستطيعون عند استعماله في أي مكان أو زمان وبقرار منهم او بذريعة الدفاع عن النفس كما قال العماد ميشال عون لتبرير استعماله ضد الآخرين في الداخل، ويصبحون تالياً قادرين على منع صدور أي قرار لا يعجبهم او لا يعجب من وراءهم، يصبحون قادرين أيضاً على مواجهة سلاح الدولة نفسها. اذ ان من يحكم الشارع يستطيع ان يحكم الدولة، ويتعذر عندئذ العبور من حكم الدويلات الى حكم الدولة، لا بل تصبح الدولة ضمن هذه الدويلات عندما ينتشر السلاح خارج الشرعية في كل المناطق ويصبح لكل طائفة بل لكل مذهب حزب مسلح للدفاع عن النفس في غياب الدولة التي عليها ان تحمي وحدها الجميع وتدافع عن الجميع.
ففي الجنوب رغم وجود قوات دولية فيه وجيش لبناني لا يزال منصة لاطلاق الصواريخ في اتجاه اسرائيل وتعريض لبنان لخطر حرب مدمرة عندما لا يكون في استطاعة الدولة منع اطلاقها ولا معرفة من يطلقها لمعاقبته، وهذا يتنافى وبرنامج المبادئ لقوى 14 آذار الذي خاضت انتخابات 7 حزيران 2009 على اساسه وفيه حماية لبنان من الاعتداءات الاسرائيلية واسترجاع مزارع شبعا عبر تنفيذ القرار 1701 بجميع مندرجاته وفرض سلطة الدولة على جميع اراضيها وفقاً لاتفاق الطائف، بحيث لا تكون هناك اسلحة او سلطة في لبنان غير اسلحة الدولة وسلطتها، وضبط الحدود بين لبنان وسوريا وترسيمها بدءاً من مزارع شبعا توصلاً الى استعادتها وإلغاء القواعد العسكرية الموجودة خارج المخيمات الفلسطينية، وتفعيل رسالة لبنان في العيش المشترك وتفاعل الثقافات بدعم المبادرات الرامية الى ان يكون لبنان مركزاً دولياً لحوار الحضارات والثقافات بحسب اقتراح الرئيس ميشال سليمان، ودعم حل الدولتين في اطار السلام الشامل والعادل استناداً الى مبادرة السلام العربية والالتزام الصارم لمنع توطين الفلسطينيين. ورأت هذه القوى في برنامجها ان القرار 1701 اجمع عليه اللبنانيون بمن فيهم قوى 8 آذار وان خلاص لبنان وحمايته يتطلبان اتفاق اللبنانيين على عدم السماح باستخدام السلاح سياسياً وعسكرياً وأمنياً في نزاعات اقليمية لا تمت بصلة الى مصالحه الوطنية.
ثالثاً: الاتفاق على "اي لبنان نريد" كي يتم وضع الاستراتيجية الدفاعية على اساس ذلك، وهي استراتيجية تبنى على اساس ان يكون لبنان هونغ كونغ ام هانوي او ان يكون دولة مقاومة ومواجهة ام دولة مساندة كما كان سابقاً.
رابعاً: تعميم المقاومة كي لا تتكرس فئويتها او حزبيتها. ولأن اي سياسة دفاعية ترسمها اعتبارات خاصة بمذهب محكومة بالاخفاق (من وثيقة "المركز المدني" التي اعلنها الرئيس حسين الحسيني في تشرين 2008)، ذلك ان اي اكثرية نيابية او شعبية لا تستطيع ان تحكم بوجود اقلية اذا كانت وحدها مسلحة وهو ما جعل النائب وليد جنبلاط يدعو حزب الله في حديث له قبل ان يغير تموضعه الى "ان يحسم موقفه فاما هو مع الدولة واما جزء من مشروع ايراني".
لذلك فان سلاح "حزب الله" يبقى عقدة العقد في التوصل الى اتفاق على تنفيذ اتفاق الطائف والقرار 1701 توصلاً الى اقامة الدولة القادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كل اراضيها، فلا يكون سلاح غير سلاحها ولا سلطة غير سلطتها، وان دول الغرب تكرر عند البحث في القرار 1559 وفي القرار 1701 المطالبة بذلك في كل تقرير للأمم المتحدة، علماً ان هذا الموضوع وباعتراف هذه الدول ليس شأناً لبنانياً بحتاً بل هو شأن كل الاطراف المعنيين.