مواقف صفير لـ "المسيرة":
لئلا تطيح مسيرة تشكيل الحكومة وما سبقها اتفاق الطائف
عشية فوزه في الانتخابات النيابية الأخيرة، اتخذ الرئيس سعد الحريري قراراً استراتيجياً بمد اليد للجميع، وإعادة لمّ شمل اللبنانيين، بعد أربع سنوات من الانقسام، كاد في مرحلة أن يوصل إلى حرب أهلية (7 أيار).
مسيرة تشكيل الحكومة
كان من الطبيعي ـ والحال هذه ـ أن يذهب الحريري باتجاه تشكيلة حكومة وفاق وطني، فور تسميته رئيساً للحكومة، وهو ما فعله عن قناعة وأمل بمستقبل أفضل لهذا البلد… ومن أجل ذلك تنازل الحريري عن "حقه" بتشكيل حكومة من الأغلبية النيابية، التي فازت في الانتخابات بأغلبية مريحة. ومن أجل تسهيل ولادة هذه الحكومة تنازل الحريري أيضاً لصالح قبوله بتوزير الراسبين (عدم توزير الراسبين كان مبدأً لمن عادوا وطالبوا بإلغائه عندما تغيرت أسماء الراسبين)، كما تنازل ـ ومعه حلفاؤه ـ عن وزارات "مغرية"، عُرضت على الطرف الآخر.
ومع ذلك فإن "حلم" الحريري بالوصول إلى حكومة تُرضي معظم الأطراف، وتعمل "كفريق واحد" لمواجهة التحديات لم يتحقق بعد. ففريق الثامن من آذار، اشترط الحصول على ثلث معطل أو ما يشبهه في الحكومة العتيدة. ولما نال مطلبه، اعتبر أن توزيع حقائب هذا الثلث فيما بين فريق الثامن من آذار يقع على عاتق الرئيس المكلف، وليس على عاتق فريق الثامن من آذار مجتمعاً!، واعتبر تالياً أن على الرئيس المكلف أن يـُرضي العماد ميشال عون، وإلا فلا حكومة، ولما راح الأخير يصعد من مطالبه، نفض الفريق الشيعي ـ وهو رافعة هذا الثلث ـ يده من الضغط عليه، معتبراً أنه قام بما عليه تجاه تسهيل ولادة الحكومة بـ"قبوله" بالثلث، وكفى!.
اعتذر الرئيس المكلف، وأعيد تكليفه، بالتزامن مع صدور تصريحات "من حوله" تشير إلى إمكانية التراجع عن صيغة 15+10+5 المتفق عليها لصالح تشكيلة أخرى. ولم يلقَ هذا الأمر قبولاً من فريق الثامن من آذار. (الرئيس بري لم يسمِ الحريري في المرة الثانية بناءً على هذا "الجو") غير أن الأهم في هذا السياق هو صدور "اجتهادات دستورية" من قبل هذا الفريق تقول إن "حكومات ما بعد الطائف كلها حكومات وحدة وطنية"، وأن مفهوم حكومة الوحدة الوطنية لا يعني "التمثيل العادل للطوائف" كما ينص الدستور فحسب، وإنما مراعاة "الأكثرية التمثيلية لدى كل طائفة"، ما يعني أن أية حكومة لا يتمثل فيها فريق الثامن من آذار راهناً هي حكومة غير ميثاقية وغير دستورية!.
ومع أن الرئيس المكلف بقي يعمل بهدوء للوصول إلى حكومة وفاق ـ يراها الأصلح للبنان في هذه المرحلة ـ فإن فريق الثامن من آذار استمر بسياسة "الابتزاز" المتدثر بحجج و"اجتهادات دستورية" باتت تهدد النظام الذي أقره الطائف، على النحو الذي حذّر منه كثير من المراقبين والمحللين منذ بدايات الأزمة بعد اغتيال الرئيس الحريري، حيث كان "حزب الله" وحلفاؤه ينفون مراراً النية بتغيير الطائف، إلى أن جاء مسار تشكيل الحكومة، كاشفاً أن الطائف ـ كما يرونه ـ ليس هو الطائف الذي فهمه واضعوه، والذين طبقوه بعد ذلك!.
مواقف البطريرك لـ "المسيرة"
يوم السبت الماضي نشرت مجلة "المسيرة" مواقف لافتة للبطريرك نصر الله بطرس صفير. اعتبر البطريرك أن على الأكثرية النيابية أن تستلم الحكم بعدما فازت في الانتخابات، وأن الأكثرية والأقلية لا ينبغي أن يجتمعا في حكومة واحدة، وأن السلاح والديمقراطية لا يتفقان!. ولاحقاً أوضح زوار البطريرك أن مواقفه هذه "مبدئية"، وكي لا يصبح "الاستثناء هو القاعدة".
على الأثر صدرت مواقف منددة من قبل فريق الثامن من آذار. ورغم أن البطريرك تناول "حزب الله" بالاسم، إلا أن الحزب، لم يُصدر أي رد مباشر، وقد "اكتفى" إعلام "حزب الله" بنقل ردود "التيار الوطني الحر"، ورد شيخ العقل ناصر الدين الغريب، (المبايع من قبل الوزير طلال إرسلان)، ورد المفتي الجعفري أحمد قبلان، وشخصيات سنية لا وزن تمثيلياً لها، وجهات سنية أخرى لم يسمع معظم اللبنانيين بها من قبل.
لكن هذه الردود، مهما علا صوتها، فإنها لا تستطيع أن تحجب الأثر الكبير لمواقف البطريرك، خصوصاً أنها جاءت في وقت ظن فيه كثيرون أن هكذا كلام لم يعد له محل في المعادلات الجديدة، فأراد صفير أن يبين المبدأ إزاء الاستثناء، بعدما بدا الاستثناء وكأنه هو الفهم الصحيح للطائف، تحت طائلة فرض هذا الفهم بقوة السلاح، إذا ما تهيأت الظروف لاستعماله مجدداً!.
الطائف كما يفهمونه!
الواقع أنه منذ ما قبل اتفاق الدوحة بدأت تنشأ في لبنان أعراف من شأن استمرارها وتكريسها اطاحة الطائف ـ ولو تحت عنوان تطبيقه ـ فمثلاً لم يعد بالإمكان انتخاب رئيس للبلاد إلا بالتوافق، تحت طائلة تعطيل النصاب، لأن "اجتهادهم" يقول إن حضور الثلثين شرط لانعقاد جلسة الانتخاب، (يمكن هنا استذكار المخاض الطويل لانتخاب الرئيس سليمان). وأيضاً لم يعد انتخاب رئيس مجلس النواب خاضعاً للأقلية والأكثرية، بل يخضع للأكثرية لدى الطائفة الشيعية حصراً (يمكن استذكار مسار انتخاب الرئيس بري مؤخراً وما صدر من مبررات ليكون مرشحاً وحيداً). كما لم يعد بالإمكان تشكيل حكومة إلا إذا كانت حكومة تشارك فيها الأغلبية النيابية مع الأقلية في آنٍ معاً، بدعوى أن حكومات ما بعد الطائف لا ينبغي إلا أن تكون حكومات وحدة وطنية، (مخاض تشكيل الحكومة الحالية).
وإضافة إلى هذه الأعراف المتعلقة بالرئاسات الثلاث، ثمة أعراف "فرعية"، من بينها إمكانية إقفال مجلس النواب إذا اعتبر رئيسه أن الحكومة غير دستورية أو غير ميثاقية. وإمكانية إسقاط الحكومة إذا انسحب منها وزراء يمثلون طائفة بعينها. وضرورة "التوافق" المسبق على القرارات الهامة ـ ولو لم ينص الدستور على احتياجها إلى نصاب الثلثين ـ خارج ميزان الأكثرية والأقلية في مجلس الوزراء. وإلزامية أن تأخذ الأقلية النيابية ثلثاً معطلاً في أية حكومة تشكّل. وحق الكتل النيابية في إبلاغ الرئيس المكلف أسماء نوابها دون أن يكون قادراً على الاعتراض…!.
مجموع هذه "الاجتهادات" والأعراف و"الفتاوى" تفضي بالضرورة إلى دستور لا يشبه ذلك الذي توافق عليه نواب الوطن في مدينة الطائف عشية إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية. يدلّل على ذلك أيضاً نظريات حول "الأغلبية الميثاقية"، وتصريحات تتحدث عن "حقوق طبيعية" و"استعادة حقوق مأخوذة منذ العام 1990 (الطائف)"، ورفض "العودة إلى الوراء في الحقوق"، وذلك في معرض تقاسم الوزارات خلال مسار تشكيل الحكومة الحالية!.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن نظرية "الأغلبية الميثاقية" منفردة، من شأنها نسف الطائف، إذ وفق هذه النظرية لم يعد من قيمة للانتخابات التشريعية العامة، لأن قيمة الانتخابات انتقلت إلى داخل الطوائف لمعرفة حجم تمثيل كل فريق داخل طائفته، (ما يقتضي حفاظاً على الانسجام الدستوري أن يصوّت الناخبون لمرشحي طائفتهم فقط). كما من شأنها مصادرة حق المواطنين، غير المنتمين للفريق الممثل للطائفة، في أن يصلوا إلى المواقع العامة. كما سيصبح وظيفة الأحزاب والتيارات تمثيل طوائف معينة، وليس تمثيل المواطنين بغض النظر عن طائفتهم. وتالياً من شأن هذه النظرية تقوية الطوائف على الدولة، إذ ستصبح القرار الفعلي على طاولة حوار هذه الأحزاب والتيارات وليس في مؤسسة مجلس الوزراء. واستطراداً، وبما أن الحكومة باتت تمثل الجميع دائماً، فلا قيمة عند ذلك لمجلس النواب لا في شق المراقبة ولا حتى في التشريع. وأخيراً فإنه يمكن الطعن ـ وفقاً لهذه النظرية ـ في وجود، وفي قرارات، أكثر من حكومة تشكلت بعد الطائف، ولم تكن تراعي ما يسمى "الأكثرية التمثيلية" لكل طائفة (حكومة الرئيس كرامي الأخيرة مثلاَ).
المشكلة أكبر من تشكيل حكومة
المشكلة إذاً، أكبر بكثير من تشكيل حكومة، ما يعني أن تقديم المزيد من التنازلات "الإدارية" وفق توصيف رئيس الجمهورية- لن يحل الأزمة، بل إن ما ينتظر الرئيس المكلف بعد تشكيل الحكومة لن يكون أسهل مما عاناه في مرحلة التشكيل للأسف الشديد.
هذا لا يعني بالضرورة النكوص عن حكومة الوفاق الوطني، التي تتمثل فيها الأكثرية والأقلية معاً، لصالح تشكيل حكومة تحكم فيها الأكثرية منفردة، كما يوحي كلام البطريرك صفير للوهلة الأولى، ولكنه يعني -بالاستعانة بالتفسير الذي نقله عنه زواره- أن الاستثناء الذي فرضته ظروف معينة (من بينها مثلاً أن الثنائي الشيعي "أمل" و"حزب الله" يمثل كل الطائفة الشيعية تقريباً، ما يعني عدم إمكانية تجاهل رأيه ومطالبه)، إلا أن هذا لا يعني القبول بتكريس أعراف واجتهادات بناءً لهذا الواقع -غير الطبيعي- وبما يدك ركائز النظام اللبناني برمته. وهنا تكمن أهمية كلام البطريرك صفير "الاستثنائية".