#adsense

إلتزامنا محصور بالقارىء لأن السياسيين أفلسوا

حجم الخط

إلتزامنا محصور بالقارىء لأن السياسيين أفلسوا

لعل أقسى ما يواجهه الكاتب السياسي في لبنان أو المحلل السياسي أو الصحافي عموماً، هو الكتابة اليومية في بلد تكاد السياسة فيه تخلو من أي جديد، والمسؤولون السياسيون فيه ليس لديهم سوى الإفراط في التكرار، فماذا يُحلِّل الصحافي إذا لم يكن هناك سياسة؟
ولماذا يركض وراء السبق الصحافي إذا لم يكن هناك خبر؟
إن أزمة الصحافة في لبنان، في جزء كبيرٍ منها، هي أن لا مادة صحافية يومية، فماذا نُعطي للقارىء إذا كان ليس لدى السياسيين ما يُعطونه للرأي العام؟

* * *
منذ مدة طويلة والوضع في البلد على هذا المنوال، أحدثُ مثالٍ عليه هو الأزمة الحكومية، منذ أربعة أشهر وأسبوع والتطورات تكرر نفسها، والمعاناة الكبرى لدى الصحافي أنه يجد نفسه، مكرهاً، يُكرِّر نفسه:
حيناً بالتفاؤل وحيناً آخر بالرهان على معادلة (سين – سين)، وأحياناً على (إفتعال المهل) مِن مثل رئيس الجمهورية يريد حكومةً قبل السفر إلى نيويورك (في أيلول الماضي) ثم قبل السفر إلى إسبانيا (في تشرين الأول الماضي)، رهانٌ خلف رهان، ومهلةٌ وراء مهلة ولا شيء يتغيَّر.

* * *
قبل هذا الواقع، عانى الصحافي والكاتب والمحلل الوضع ذاته منذ تشرين الثاني من العام الماضي وحتى أيار:
ستة أشهر من الفراغ الرئاسي، وكلُّ يومٍ مرَّ فيها كان يُقال إن الإنتخابات الرئاسية ستتم الأسبوع المقبل، جاء الأمين العام للجامعة العربية أكثر من مرّة، وفي كل زيارة كان يُقال:
(نضجت وإلا لما كان أتى)، كان يجري لقاءات مكوكية تنتهي كما بدأت، وكان الصحافي يُضطر إلى الكتابة يومياً عن قضية لم تحمل جديداً واحداً خلال ستة أشهر.

* * *
قبل ذلك كان الإعتصام في وسط بيروت، كانت الكتابة عنه تتكرر يومياً تحت السؤال التالي:
متى سينتهي؟
وماذا سيُحقِّق؟
كم من المرات كُتب عن المخاوف من إقتحام السرايا الحكومية؟
دامت هذه القضية نحو سنة ونصف السنة من المراوحة وكان الصحافي مرغماً على الكتابة عنها كلَّ يوم فيما لا جديد فيها.

* * *
تلك هي معاناة الصحافيين مع الكتابة:
كتابة يومية فيما لا جديد سوى مرة كل ستة أشهر وأحياناً مرة كل سنة، وأحياناً أخرى مرة كل سنة ونصف السنة.
لو لم تكن المسألة مسألة إلتزام لما كانت هناك ضرورة للكتابة، والإلتزام المقصود هنا هو تجاه القارىء وليس تجاه أي سياسي، فالتوجُّه إليه هو غاية كل كاتب، أما السياسيون فلا إلتزام لديهم سوى الحفاظ على مصالحهم ومكتسباتهم، وقد تكون القضية المتبقية للصحافيين هي أن يشرحوا للقارىء أن الفراغ ضرب كلَّ شيء بما في ذلك المعطيات السياسية.

المصدر:
الأنوار

خبر عاجل