تجربتي كمرشح للانتخابات
هل لبنان دولة ديمقراطية أم هو عقلية مساومات؟
وليد معلوف
عندما ترعرعتُ في لبنان في الستينيات والسبعينيات شهدتُ العديد من الانتخابات البرلمانية التي كانت تُظهر الديمقراطية في أبهى حالاتها. كانت عائلتي تنتقل من بيروت إلى مسقط رأسنا في كفرقطرة، قضاء الشوف، لبنان، حتى تُشارك في الانتخابات. كانت الانتخابات تجري في مواعيدها المحددة، وكانت النتائج تُعلَن طبقاً لواقع الحال، وبالرغم من بعض الحوادث العرضية في الشوف بين مؤيدي الراحل كمال جنبلاط والمغفور له الرئيس السابق كميل شمعون، كان النظام دائماً مصاناً وكذلك احترام كرامة العملية الانتخابية. في الانتخابات الأخيرة وقبل أن تحصل التدخلات الاقليمية والحروب في لبنان في نيسان 1972، إني أتذكر النتائج: لقد فازت لائحة جنبلاط بستة من أصل ثمانية مقاعد نيابية.
بعد مغادرتي الى الولايات المتحدة خلال الحرب، حيث أمضيتُ السنوات الثلاثين التي تلت، كان حزيران الأخير 2009 هو المناسبة الأولى لي التي أقترعتُ فيها في الانتخابات البرلمانية اللبنانية. وقد حصل أيضاً أنني كنتُ أخوضُ الانتخابات في الشوف كمرشح مستقل، فبذلك اختبرتُ الانتخابات للمرة الأولى كمرشح، وللمرة الأولى كناخب، في الوقت عينه.
لقد قررتُ خوض السباق الى البرلمان بعد ثلاثين عاماً من الدعوة للدفاع عن لبنان حر وديمقراطي ومستقل، بما في ذلك مشاركتي في العديد من المنجزات السياسية لهذا الوطن الحبيب. لقد أردتُ أن تؤدي تلك المنجزات الى مساعدة لبنان من الداخل. كانت رحلة شخصية جداً ومؤثرة جداً رحلة العودة الى الوطن حيث جئتُ لتنظيم وإدارة حملتي وفي جعبتي الدروس التي تعلمتها من الديمقراطية الأفضل في العالم.
طوال حياتي في الولايات المتحدة كنتُ أؤمن بأن خلاص لبنان سوف يأتي على يد أبناء لبنان المغتربين. على مدى السنوات ال 35 الماضية، شهد لبنان اضطرابات واجتياحات عسكرية في حقبات مختلفة على يد سوريا واسرائيل وحركة فتح الفلسطينية وغيرها، والحل الوحيد الذي يمكن أن يؤدي لإنقاذ لبنان مرة واحدة ونهائية ينبغي أن يأتي من أبنائه وبناته المنتشرين حول العالم. هؤلاء هم قوته ودفتر إدخاره.
لم أقرر القيام بهذه الحملة إنطلاقاً من شعور ساذج أو لمتابعة دوافع خفية. كان سعياً جاداً بالنسبة لي، وكنتُ أرغب في أن أُخْطِر النخبة السياسية اللبنانية بأننا نحن قادمون. نحن، المغتربون اللبنانيون، نريد المشاركة في العملية السياسية ونعتبرهم أنهم غير قادرين على التحرك بلبنان الى الخروج من الورطة التي تسببوا بها في المقام الأول. لقد أظهروا عجزهم عن إجراء الإصلاحات الملائمة في اتجاه إرساء كيان الدولة على نحو أفضل. وأظهروا عجزهم عن منع الآخرين في المنطقة من التدخل في شؤون لبنان الداخلية. إن الطبقة الحاكمة في لبنان هي طبقةٌ من الماضي، طبقةٌ لا تزال عالقةً في الماضي، وهي لا تزال تجر معها كل الشعب اللبناني.
لم أوفق في جهودي. ولكن عندما عدتُ إلى واشنطن، قال لي أحد جيراني، وهو لبناني لعب دوراً في السياسة في لبنان: "الأمر الأهم هو، أنك عدتَ وأنك لاتزال محتفظاً بنزاهتك" بالنسبة لي، لقد كان هذا أرفع مراتب الإطراء. أنا لا أريد أن أكون جزءاً من أولئك السياسيين الذين يضعون أولوياتهم الشخصية ومجدهم السياسي ومصالحهم الشخصية فوق مصلحة الشعب اللبناني. أنا لا أريد أن أكون من بين هؤلاء السياسيين الذين يبدلون ستراتهم شطر التراب ويضحون بكل نزاهتهم فقط من أجل إطالة أمد وجودهم السياسي. أنا لا أريد أن أكون جزءاً من السياسة التي تغرق لبنان وشعبه، وتنضوي تحت لواء القوى الاجنبية الإقليمية.
لقد تعلمتُ قليلاً من هذه التجربة. رجعتُ إلى جذوري بعد 30 عاماً، وأعدتُ تعريف نفسي بالجغرافيا الجميلة للجبل اللبناني، زُرتُ بلداته وأوديته وتلاله. حظيتُ أيضاً بفرصة عظيمة للإلتقاء بشعبه والتعرف الى احتياجاتهم ومخاوفهم وآمالهم. لقد شاهدتُ جهودهم التي يبذلونها لتطوير مجتمعاتهم المحلية، واستمعتُ الى مطالبهم وخططهم لبذل المزيد من الجهد لتلبية احتياجاتهم الآنية. لقد استمتعتُ بالالتقاء بالأجيال الشابة وشاهدتُ رؤاهم وتصميمهم وأحلامهم لمستقبلهم. ولكن لايزال أمامهم طريق طويل يقطعونه لاستعادة الديمقراطية التي رأيتُها وشهدتُها حين شبيتُ في لبنان. إني ألقي اللوم في تبخر الديمقراطية اللبنانية على الجيل الحالي من السياسيين الذين غيروا المفهوم التاريخي والمثالي للموظف العام الذي يعمل لمصلحة ناخبيه الى مؤسسة سياسية راسخة في تقديم التنازلات عن مصالحها من خلال صفقات الغرف الخلفية، هي عقلية بالية، واستعداد مستمر للسماح بالتدخلات الأجنبية في شؤون لبنان الداخلية.
كان هناك أمل كبير للديمقراطية والاستقلال اللبناني بعدما أنهت سوريا 30 عاماً من الاحتلال العسكري للبنان في العام 2005. لكن تجربتي كمرشح في العام 2009 تركت في خيبة أمل كبيرة لأوجه القصور من جانب سياسيي لبنان، ومؤسساته، وقواعده الانتخابية.
عيوب السياسيين:
1. يرتكب تحالف 14 آذار الأخطاء الرهيبة ويخرج عن مسار ثورة الأرز 2005. إنهم من خلال أفعالهم، يجرونها إلى انعدام الفعالية التي نشاهدها اليوم. 2. لقد فشلوا في الاستفادة من مليوني شخص من المؤيدين احتشدوا وتظاهروا في 14 آذار 2005، ولم يستفيدوا من تصميم إدارة الرئيس جورج بوش على تعزيز الديمقراطية في الشرق الأوسط. 3. لم تكن لدى القادة أية استراتيجية في متناول اليد وأية رؤية إلى أين المسير في لقاءاتهم مع المسؤولين الاميركيين. لقد أغفلوا أهمية ظاهرة 14 آذار ولم يكن بمقدورهم تحويلها الى حزب وطني موحد للتحضير لانتخابات 2009 من خلال انتخابات تمهيدية. نتيجة لذلك لم يحصلوا سوى فقط على 71 مقعدا في البرلمان بدلا من إحراز الأغلبية الساحقة، ويمكن أن نرى عدم قدرتهم الحالية على تشكيل الحكومة. 4. ترددهم في دعم قرار مجلس الأمن الدولي لمنظمة الأمم المتحدة رقم 1559 صراحة وعلناً، والذي هو حجر الزاوية في استقلال لبنان وسيادته اليوم، انطلاقاً من رغبتهم في إرضاء حزب الله وحركة أمل. لو لم يكن هناك قرار مجلس الأمن رقم 1559 لما وُجد قرارا مجلس الأمن رقم 1680 و 1701. 5. إنهم لا يمتلكون خططاً طويلة المدى للتغلب على المتغيرات الإقليمية أو الداخلية غير المتوقعة. ونتيجة لذلك فقد حوّل أحد أبرز زعماء لبنان وليد جنبلاط، دعمه بعيداً عنهم ووضع تحالف 14 آذار عند مفترق طرق من الغموض والارتباك.
من جانبه، تحالف 8 آذار لديه مجموعة إخفاقات: 1. بدلاً من بناء دولة لبنانية مستقلة، إنهم يبنون ميليشيات حزب الله وأدوات هيمنته. 2. بدلا من تشجيع التغيير والإصلاح، إنهم يعطون الأولوية الأولى للمواجهة مع القادة المسيحيين الآخرين في 14 آذار والتنافس على المقاعد الوزارية. 3. يرفضون تعلم الدروس المستفادة من السنوات ال 30 الماضية ويزورون نظام الأسد في دمشق باستمرار، ويقدمون للسوريين فرصة الحفاظ على تدخلهم في شؤون لبنان الداخلية. 4. إنهم يسعون جاهدين للحصول على مناصب وزارية لا لتعزيز رفاه الأقلية التي يمثلونها، وإنما لعرقلة تشكيل المحكمة الدولية المكلفة بالكشف عن قتلة رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري. 5. وبدلاً من إرساء الاستقرار في لبنان وتحقيق الأمن لشعبه، انهم يريدون محاربة اسرائيل وترك المناطق الحدودية غير الشرعية مع سوريا مفتوحة كوسيلة لزيادة المال والسلاح – كل ذلك على حساب بقاء لبنان في حالة مستمرة من عدم الاستقرار.
التغييرات المؤسسية المطلوبة:
1. إذا كان الشعب اللبناني يريد تغييراً حقيقياً في انتخابات 2013 فعلينا السماح للمغتربين بالاقتراع في الخارج وخفض سن الاقتراع الى 18 عاماً والسماح للجيش والشرطة والقوى الامنية بالاقتراع. 2. يجب أن يكون لدينا نظام اقتراع إلكتروني فعّال في لبنان والخارج لجعل العملية الانتخابية أكثر دقة وشفافية. 3. بطاقات الاقتراع يجب أن تكون مطبوعة مسبقاً من قبل لجنة مستقلة للانتخابات وأن توزع على الناخبين داخل مراكز الاقتراع، ووحدها سلطات الانتخاب ينبغي أن يكون مسموحاً لها التواجد في مراكز الاقتراع. 4. لا أحد من العاملين في الحملات الانتخابية أو من المرشحين يمكن أن يكون موجوداً داخل مراكز الاقتراع. ينبغي أن تكون بعيدة 100 متر أعمال ترويج عيّنات البطاقات للمؤيدين. 5. إلغاء ما يسمى ب "الممثل المتجول" ومنعه من دخول مراكز الاقتراع، حيث غالبا ما يتم ترهيب الناخبين. 6. يجب أن يبدأ البرلمان العمل فوراً على إعداد قانون جديد للانتخابات التي تتيح للفرد اللبناني أفضل تمثيل ممكن. إني أؤمن أن هذا يعني أن لبنان ينبغي أن يكون 128 دائرة انتخابية وفي كل منها: لكل شخص واحد، صوت واحد، لممثل واحد.
ينبغي أن يكون هناك أيضا إعادة تقسيم للدوائر في بعض الحالات. على سبيل المثال، قضاء الشوف-الإقليم، حيث ترشحتُ، هو أكبر دائرة انتخابية في لبنان، تشمل 105 قرى ضمن منطقة جغرافية ضخمة. يشعر المسيحيون في هذه المنطقة بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية. لقد دفعوا ثمناً باهظاً في الثمانينيات عندما تعرضوا للتهجير لأكثر من 10 سنوات. الكثيرون نزحوا إلى مناطق أخرى داخل البلاد، والعديد من الآخرين إلى خارج لبنان، وهم لا يعودون إلا بأعداد صغيرة جداً. المدن المسيحية في الشوف والإقليم مهملة وتحتاج إلى الكثير من التطوير، ولكن ليس لديهم كلامٌ سياسي، ونسبة مشاركتهم في الانتخابات متدنية جداً.
في حملتي الانتخابية، تحديتُ الزعماء المسيحيين في تحالفَي 14 آذار مارس و 8 آذار على حد سواء بشأن هذه المسألة. إذا كانوا حقاً يعملون لمصلحة المسيحيين، لماذا لا يأتون معاً لتغيير جغرافية المنطقة الانتخابية في الشوف والإقليم وتقسيمها الى دائرتين مع أربعة نواب لكل منهما؟ دائرة لقضاء الشوف يكون لها نائبان من الدروز، ونائب ماروني ونائب من الروم الملكيين. ودائرة لقضاء الإقليم يكون لها نائبان من السنة ونائبان من الموارنة. هذا تقسيم موجود بالفعل في الممارسة العملية. إذا كنتَ مسافراً من الشوف تجاه الإقليم، مرورا ببلدة غريفة، جغرافياً أنتَ بطبيعة الحال تعبر من منطقة الى أخرى. وبالمثل، عندما تكون مسافراً على الطريق الساحلي بعد المرور ببلدة الدامور، هناك الحدود الطبيعية الى منطقة أخرى. وكسابقةٍ في التاريخ، لقد كان هذا القضاء مقسوماً في سنة 1950. النتيجة ستكون أن جميع السكان في كلتي المنطقتين على حد سواء، بغض النظر عن طائفتهم، سيكونون ممثلين بصورة أفضل. كما يجب العمل أيضاً معاً وعلى الفور على عودة المسيحيين الى بلدة بريح التي لا يزالون مهجرين منها الى ضواحي بيروت. لقد مضى حتى اليوم 26 عاماً على تهجير هذه القرية على وجه الخصوص، فكفى هذا، كفى.
اللبناني بحاجة لرؤية الصورة لكبيرة:
هناك عبء كبير يقع عليكم، يا أعزائي، شعب لبنان. استيقظوا وانتخبوا ممثلين يعملون من أجل تحسين حياتكم، حماية بلدكم، وتأمين مستقبل صحي لأولادكم. عندما تقترعون، أنتم لا تقترعون لصالح مرشح معين، أنتم تقترعون لصالح لبنان، وأنتم تقترعون لصالح رفاهكم أنتم. عندما تتطوعون لصالح مرشح وتعطونه أموالكم ودعمكم، تكونون فعلياً وشخصياً مشاركين في هذه العملية، وتشعرون بمكافأة شخصية وإحساس بالإنجاز. الإقتراع هو مسؤولية عليكم بقدر ما هو حق لكم. لا تسألوا عن سيارة تقلكم أنتم أو عائلتكم لتأخذكم إلى مراكز الاقتراع، أو تسألوا عن كوبونات الوقود لملء خزان وقود السيارة. هذا واجبكم الوطني وثمن مواطنيتكم. توقفوا عن طلب المال لأجل الإقتراع. أنه يقلل من مستوى ومن صدقية البرلمان اللبناني في داخل الوطن وفي نظر العالم الخارجي. أنظروا واشعروا بما هو حاصل لكم. تعلموا من أخطاء الماضي، أنظروا كم أنتم اليوم في الصفوف الخلفية مقارنة بالأمم والشعوب الأخرى. الأمر بيدكم لإجراء التغيير. لا يمكنكم الاعتماد على قادتكم الحاليين. لذا، ومن أجل محبة الله، أستيقظوا، وأنقذوا لبنان، حتى تنقذوا مستقبل أجيالكم.
وليد معلوف، المندوب العام السابق للولايات المتحدة الى منظمة الأمم المتحدة ومدير الدبلوماسية العامة السابق في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، رجل أعمال مهني ودبلوماسي في مدينة واشنطن العاصمة لأكثر من 20 عاماً، ومتمرس في القضايا الدولية على مستوى الثقافة والتعليم والسياسة.