المنـاوبــون
يكرر اعلان رائق في "صوت لبنان" تذكير من لا يزال – أو كان – يعنيه الامر، ان بيروت هي العاصمة العالمية للكتاب 2009. وشكرا للترتيب الابجدي الطوعي كما في مجلس الامن وحسنات الالفباء. أنا أعرف ان بيروت كانت مدينة ثقافية يوم كنا نذهب الى "الندوة اللبنانية" لنصغي الى شولوخوف وناظم حكمت. واحد يخبر هذه المدينة الصغيرة عن نهر الدون، وواحد يقرأ بالتركية قصائد السجون والمنفى أعرفها يوم جاءها شابا شاعر الروسيا، يفغيني الكسندروفيتش يفتوشنكو من قرية في سيبيريا ليقرأ من "المدافع الطيبة العتيقة".
لم نكن ننتظر منه المناوبة عندما يكون الامر شأن العقول. فالثقافة ليست وزارة الاتصالات، بها يبدأ تشكيل الحكومة وبها يعلّق وبها يفرض مبدأ التناوب على اللبنانيين، الغفاة منهم والغافلون وذوو الغفل بالمخدّر. قبل ثمانين عاما كتب ميشال زكور في "المعرض" بعد فوزه بالمقعد النيابي، أنه مدين بذلك لرجل واحد هو الناخب. فما دام هو صاحب الاختيار فهو صاحب القرار. وما دام النظام برلمانيا فليس للدستور او الشرعة تفسيران، ولا مجال للاستنساب ولا للفرض: وجدت الديموقراطية لكي ترد عن الشعوب والاوطان أتاوة الخوة وشطط النقض. الأحكام بالقانون لا تقبل نظام النقض، لأنها قائمة في الأساس على حرية الاختيار. نظام النقض أعطته الدول الاستعمارية لنفسها، فرضا على الضعفاء ومهزومي الحرب، وحماية لكيانات الاستيطان بالاكراه، كالنظام الاسرائيلي.
لكن ذلك كان عصرا عرفناه منذ نحو قرن. كأن تقول عمر بيهم وبشارة الخوري ومحيي الدين النصولي وصبحي حيدر. نحن الآن في زمن آخر، سمته وعنوانه، وقرار الحياة والوجود فيه، هو حقيبة الاتصالات. شكرا للمناوبة، او التناوب، أبقت لنا عاصمة الكتاب لهذا العام، العام الذي حدث فيه سلام لبنان في قطر، وحدث انتخاب رئيس لبنان في مجلس النواب في رعاية صاحب السمو أمير قطر ورئيس وزرائه، وأبقي البلد في عهد التصريف كما عاهد سيدنا ابراهيم الرب تعالى. وما الأسر في عهدة التصريف إلا لأن الشعب خان وزير الاتصالات، والدستور أساء فهمه، والكون تآمر عليه. وعلينا.
طلب مني أن أشارك في حفل التكريم الذي تقيمه جامعة عدن في مئوية الرئيس اليمني الراحل الاستاذ أحمد النعمان، في التاسع من ت2، على مشارف نهاية ولايتنا عاصمة للكتاب وأعادني ذلك الى يوم كانت بيروت عاصمة الثقافة العربية من دون تسمية او مناوبات. فالثقافة لا تقوم على مراسيم ولا تبنى على تكليف. وكان الاستاذ النعمان بين أواخر من جاؤوا يستوطنون هذه المدينة التي كادت تصبح اسكندرية العصر، الثغر المتوسطي العابق بالعلم، المزدحم بالخلاّقين الآتين من كل مكان. فيوم جاء شيخ المثقفين في اليمن، كانت بيروت مضافة الأعلام العرب: البديع نزار قباني، والمبدع أدونيس، والمغرد محمد الماغوط، من سوريا، ورامبو فلسطين محمود درويش. وفرات الحزن العراقي بدر شاكر السياب وقبله أحمد الصافي النجفي، مترجم "الرباعيات". وآل صايغ، كل بفرادته وامتيازه. وآل الخالدي بعلومهم وجدّهم. وكمال ناصر بسخرياته القومية. وحليم بركات الذي وصل بالقبقاب من كفرون وسكن تحت الدرج قرب الجامعة الاميركية ثم أصبح أحد أبرز أساتذتها.
قبل أن تتحول بيروت شرقية وغربية، تتبادل أراغن ستالين، كانت منقسمة ما بين الحداثة التي حرَكتُها مجلة "شعر" والارثية التي تحارب في سبيلها "الآداب". كانت عاصمة الشعر والنثر والمطابع والمسارح والغناء والسينما. وما كان عليّ، كصحافي ناشئ إلا أن أذهب الى بهو "الفينيسيا" لكي أجري المقابلات مع فون كارايان وبيار براسور ودلفين سيريغ وأن أقع – وجاهيا – في غرام مورين أوهارا بعدما وقعنا في حبها على الشاشة، في "الليدي غوديفا"، وهي عارية على فرس مغطاة بشعرها الاحمر الطويل حتى السنابك.
الى مثل تلك المدينة جاء الاستاذ أحمد النعمان، الذي خرج من صنعاء المغلقة أول مرة ليرأس وفد اليمن الى مؤتمر الأدباء في القاهرة. وعندما وصل بقامته الباسقة وسمرته النارية وشعره الوقور، انما كان القادم الاخير قبل اغلاق البوابات على أسوار حديقة المشرق. فقد سبقه منفيون وقامات من الجزائر والمغرب وتونس وليبيا و"كل جميع" الجهات، كما يقول التعبير القرآني، ولم يبق سوى أن يأتي مندوب من اليمن، فاذا بالرمز نفسه يجيء، تاركا خلفه بلدا ينقلب ويحترب، في الجبال وفي الاودية وفي حقول البن.
جاءنا الاستاذ النعمان عابرا طريق المنافي العربية الطويلة. وكان عبد الناصر قد استدعاه مع عدد من زعماء اليمن وأودعهم السجن. وفي السجن لم يكن يسمح للرجل الجليل بالذهاب الى دورة المياه إلا مرة كل 24 ساعة، فكتب يومها رسالته الشهيرة الى عبد الناصر: "كنا نطالب بحرية القول فأصبح لا مطلب لنا سوى حرية البـ…".
أضفى الاستاذ النعمان على بيروت لونا جديدا من ألوان الطيف الثقافي. سياسي عربي جاء السلطة من الأدب والرقي، مثل السوداني محمد أحمد محجوب، أو الليبي عبد الحميد البكوش، أو المغربي علال الفاسي. وكان لا يتحدث إلا الفصحى، لكنه يرققها ويملؤها بلطائف اللغة وموالح الذكريات ولمعان البديهة الحادة.
أين كانت حدود بيروت الثقافية؟ أين كانت معارض الرسم؟ أين كانت مهرجانات بعلبك التي اجتذبت ألمع أسماء العالم؟ كيف أصدرت تلك المكاتب الصغيرة والمطابع العتيقة، أهم كتب التراث والحضارة وأغنت حركة الترجمة ونشرت على أرصفة المعرض واللعازارية آخر مؤلفات سارتر وكامو وبرتراند راسل؟
كان المحرر الادبي في "النهار" أنسي الحاج، والمحرر الثقافي شوقي أبو شقرا، ومحرر الفنون نزيه خاطر، وفي "الأوريان" كان المحرر الثقافي صلاح ستيتية، وعلى مسرح شهرزاد كان شوشو يقدم موليير معرّبا ومفلفلاً باللهجة البيروتية، لهجة القبضايات وأبو عفيف والحاج نقولا مراد، لا فارق بين قاف وأخرى، إلا بطول المدة.
مدينة مفتوحة على حضارات الارض وأهلها. يأتي اليها القادمون الجدد واليها يعود أولئك الذين غادروها أوائل القرن الماضي. اليها يعود جورج شحادة وآل تقلا وجورج نقاش من مصر ويعود شارل حلو من حلب، ليصبح رئيسا للجمهورية في بلد يعزف فيه ألفرد نقاش الكونشرتو واحد لباغانيني على الكمان ويحفظ غيبا راسين وكورناي، ويستظهر كميل شمعون ماكبث وهوغو.
ذهب مراسل الاذاعة اللبنانية الزميل فؤاد عبيد (رئيس دائرة المحفوظات في ما بعد) يسجل مقابلة للرئيس ألفرد نقاش. وقبل ان يبدأ بطرح الاسئلة رجاه ان يسجل أولا "امتناني للرئيس فؤاد شهاب، فقد خصص للرؤساء السابقين الف ليرة في الشهر، أنقذتني من الجوع". وبعدما انتهى فؤاد عبيد من طرح الاسئلة، واقفل مسجلته، قال له مضيفه: "يا ابني، اذا لم تكن على عجل، ابق لأسمعك شيئا من باغانيني. فبعد ظهر كل يوم أعزف لنفسي شيئا من هذا الرجل الذي اتهمه الخرافيون بأن الشيطان يزرع السحر في أوتار كمانه".
ألم يكن رئيس هذا البلد خطيب العرب، بشارة الخوري، وسيدا من أسياد البلاغة؟ أليس هذا هو البلد الذي كتب فيه سعيد عقل محتجا قبل عقد على استبعاد راسين وكورناي من برنامج البكالوريا في فرنسا وكأنه الامين المعين على أكاديمية ريشوليو؟ هل كان مضحكا أم مثيرا، أن يجيء الاعتراض الوحيد من لبنان، حيث يجمع الشاعر بين ان يكون صاحب "غنيت مكة"، وصاحب سجل النفوس لفينيقيا وصاحب الغيرة على كلاسيكيات فرنسا؟
ماذا كان يعني الاحتفال الذي أقامه البساتنة الاسبوع الماضي؟ لقد كان عرضا بالنيون لتلك الاسماء التي حافظت على اللغة وحرست التراث وتصرف أدباؤها وعلماؤها وشعراؤها وكأنهم مجمع علمي يحمل تفويضا مطلقا في حفظ حرمة اللغة. "أضحكتني" مقابلة للشيخ عبدالله البستاني عام 1930 قال فيها ان أشعَر ثلاثة في لبنان أمين تقي الدين ووديع عقل وبشارة الخوري (الاخطل الصغير) لكن الاخير "غير لغوي"، وقال إن أحمد شوقي شاعر "لكن خليل مطران أمتن منه". حتى الاخطل وشوقي أزعجا الشيخ عبدالله في الوهن على متون اللغة.
كانت هذه مدينة تشكو من ضعف شوقي ولغة بشارة الخوري. أقصد كان يحق لها ذلك من دون اعتراض. ولم يكن في بيروت نيل عملاق يغذي الشعراء بالحوريات "النيل نجاشي، اسمر حليوه" كما غنى شوقي، لكن الشعراء جعلوا من جدول، او قناية كبيرة في زحلة، نهرا يغنى وتكتب له القصائد. والأنهر لا تصنع المدن إلا اذا وقف على ضفتيها أهل الشعر وأهل النثر. تصور السين من دون أبولينير.
بيروت ليست عاصمة للكتاب. بيروت بدعة ثقافية، ذريعة ثقافية، اختراع ثقافي. عندما كانت منبع الفكر المدني وتيارات الحرية ومدرسة القوميين ومربض ومسقط أكبر عدد من شعراء العرب، كانت أصغر من بور سعيد وأصغر من تونس وفي حجم القصبة في الجزائر. ولكن اتفق لها ذلك القدر الشاعري الثقافي المديد فجعلها شرفة العرب وبرج الثقافات. ولا يدوم سوى وجه العلي العزيز، الآن يبدأ قدر جديد، يمكن أن يسمى، للاختصار وتوفير الشرح، الاتصالات.