#adsense

المسيحيون معنيّون بالمواقف من لبنان أكثر من المواقع

حجم الخط

بعدما فقدوا قوة العدد ووحدة الصف والهدف عند زعمائهم
المسيحيون معنيّون بالمواقف من لبنان أكثر من المواقع

ترى مراجع سياسية ودينية مسيحية انه بعدما فقد المسيحيون قوة العدد وزعامتهم المميزة ووحدة صفهم وهدفهم صار عليهم ان يهتموا بالمواقف الوطنية من اجل لبنان اكثر من المواقع حفاظا عليه سيدا حرا مستقلا وعلى قيام الدولة القوية القادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كل اراضيها والقادرة ايضا على حماية الجميع، لان لا دولة ولا وطن اذا كان لكل طائفة امنها الذاتي كي تحمي نفسها من طائفة اخرى، وان كل طائفة خائفة من الاخرى، فتعود البلاد لتسمع من جديد لغة الخوف من جهة والغبن من جهة اخرى…

وتضيف المراجع نفسها، ان المسيحيين تخلوا عن حماية فرنسا بعدما تخلى المسلمون عن طلب الوحدة مع سوريا من اجل الحصول على الاستقلال التام والناجز تجنباً لتطلع احد الى ما وراء الحدود او ما وراء البحار وللتطلع الى لبنان الوطن الذي لا وطن سواه، والى دولة قادرة على ان تحكم نفسها بنفسها من دون اي تدخل خارجي، وهذا الموقف المسيحي الاستقلالي والسيادي المتضامن مع الموقف الاسلامي جعل الرئيس صائب سلام رحمه الله يقول في تصريح له: "لولا الموارنة لما كان لبنان بل كان جزءا من سوريا".

وظل المسيحيون على تمسكهم بلبنان السيد الحر المستقل الى درجة التضحية ماديا وبشريا في سبيل ذلك، عندما تصدوا للفلسطينيين المسلحين الذين راحوا يتدخلون في شؤونه الداخلية وينتهكون السيادة الوطنية ويتجاوزون السلطة، وهو ما ادى الى حروب داخلية طويلة بدأت بحرب لبنانية – فلسطينية، وتداخلت فيها عوامل داخلية وخارجية باسم الدفاع عن القضية الفلسطينية ولكن انطلاقا من لبنان الذي تحمّل اكثر بكثير مما تحمله سواه من الدول العربية من اجل هذه القضية.

وعندما رحب المسيحيون بدخول الجيش السوري الى لبنان انما رحبوا به من اجل ان يضع حدا للاقتتال ويساعد على اقامة الدولة اللبنانية القوية القادرة على بسط سلطتها على كل اراضيها بواسطة قواتها الذاتية، لكن سوريا التي عهد اليها ذلك تنفيذا لاتفاق الطائف لم تساعد على تحقيق المطلوب منها، بل اقامت الدولة الخاضعة لها بكل مؤسساتها، فكانت هي التي تختار رئيس الجمهورية وتشكل الحكومات وتختار النواب، وهي التي تحفظ الامن بواسطة قواتها ولا دور للقوات المسلحة اللبنانية سوى ان تكون مساعدة لها وتكون فعلا وواقعا بإمرتها غير المباشرة.

وعندما شكل الرئيس الشهيد رفيق الحريري اول حكومة له في عهد الرئيس الهراوي، رحب المسيحيون بها، بمن فيهم المعارضون، ليس لانه القادر على النهوض بلبنان ماليا واقتصاديا وعمرانيا وعلى تأمين الماء والكهرباء والهاتف والخدمات الاجتماعية وحماية الليرة اللبنانية فحسب، بل لانه القادر، نظرا الى ما له من علاقات عربية ودولية وطيدة، على ان ينفذ كل ما ورد في اتفاق الطائف ولاسيما ما يتعلق بالانسحابات الاسرائيلية والسورية كي يستعيد لبنان سيادته واستقلاله وقراره الوطني الحر. فالمسيحيون ما كانوا يوما مع اشخاص مقدار ما كانوا مع مبادئ وثوابت يتمسكون بها، وهم مع من يجسّدها بمواقفه الصريحة الواضحة، مسيحيا كان ام مسلما، وعندها لا يعود يهمهم الكلام على المشاركة وعلى فقدان التوازن داخل الحكم وعلى الحصص في المؤسسات، لان خوفهم لا يتأتى من شعور بالغبن بل من شعور بالخوف على وجود لبنان كيانا وهوية ونظاما وبيعه او تأجيره للآخرين، والا لما كانوا تنازلوا في لقاءات الطائف عن امتيازات كانت تشكل ضمانات لهم لقاء الحصول على انسحابات تعيد السيادة والقرار الحر المستقل للبنان.

لقد التف قسم كبير من المسيحيين في الماضي حول الرئيس اميل اده، ليس لانهم كانوا ضد الاستقلال، بل لانهم كانوا يريدون حماية هذا الاستقلال، لخوفهم عليه وليس خوفا منه، وذلك بطلب عقد معاهدة مع فرنسا، كما فعلت سوريا عام 1980 حين وقعت معاهدة مع الاتحاد السوفياتي. ووقف المسيحيون مع الرئيس كميل شمعون عندما خافوا على كيان لبنان واستقلاله من ان يذوبا في وحدة عربية كانت "الناصرية" تدعو الى قيامها، ووقفوا ايضا مع الرئيس سليمان فرنجيه عندما وجدوا فيه الرجل القوي القادر على وضع حد لتسلط الفلسطينيين وهيمنتهم على الدولة وعلى قرارها الحر المستقل، ولم يكونوا مع الرئيس فؤاد شهاب عندما تصوروا انه منساق مع "التيار الناصري"، وانتقدوا الرئيس شارل حلو وحملوا عليه ولم يقدّروا الظروف القاهرة التي جعلته يوافق على اتفاق القاهرة كونه ينتهك السيادة الوطنية ويقضي على حرية القرار اللبناني المستقل، كما حمل بعضهم على البطريرك الكاردينال صفير نفسه وقسوا عليه بتصرفاتهم واقوالهم عندما وافق على اتفاق الطائف بعلاته وشوائبه ولم يقدّروا الظروف الصعبة التي فرضت هذا الاتفاق وجعلت اللبنانيين العاقلين يقبلون به كاتفاق "الضرورة"، لان البديل منه كان استمرار الحرب المدمرة في لبنان.

والتف المسيحيون بقسم كبير منهم حول الرئيس الشيخ بشير الجميل لانه نادى بالسيادة والحرية والاستقلال للبنان، وبلبنان اولا، ثم عادوا والتفوا على العماد ميشال عون للاسباب عينها، رغم ما تحملوه تحقيقا لهذه المبادئ من خسائر بشرية ومادية فادحة.
ولم يستطع المسيحيون وحدهم تحقيق ما يطالبون به من انسحابات سورية من لبنان بهدف استعادة السيادة والحرية والاستقلال تنفيذا لاتفاق الطائف، رغم تجمع شخصيات مسيحية بارزة في اطار "لقاء قرنة شهوان"، ورغم صدور اول نداء تاريخي عن بكركي يدعو الى ذلك ووقوف البعض ضد مبادئ "قرنة شهوان" وضد هذا النداء بقولهم ان وجود القوات السورية في لبنان هو "وجود شرعي وضروري وموقت"… الا بعد انضمام قسم كبير من المسلمين الى ما يطالب به المسيحيون، خصوصا بعد اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه، فالتقى الزعماء المسيحيون والمسلمون على موقف واحد وانْ من مواقع متعددة، في اطار "ثورة الارز" و"انتفاضة الاستقلال" فكان تاريخ 14 آذار موعدا لتاريخ 28 نيسان الذي انسحبت فيه القوات السورية من كل لبنان فتحقق بذلك استقلال لبنان الثاني.

وها ان المسيحيين اليوم يقفون مع من لا يزال يقف مع المبادئ والثوابت الوطنية ومع من يرفع شعار "لبنان اولا"، ويتخلون عمن تخلى عن هذه المبادئ – الثوابت دولة او فردا، مسيحيا كان او مسلما. فالحفاظ على لبنان وجودا وكيانا ونظاما وهوية، وعلى استقلاله وسيادته وحريته، وعلى جعله دولة قوية لا ساحة مفتوحة للصراعات، هو ما يهم اللبنانيين، وعلى الاخص المسيحيين، اكثر مما يهمهم شق طريق او تعيين مدير او سفير او تأليف حكومة يكون لهم فيها حقائب مميزة، فلا غبن يشعرون به عندما يزول خوفهم على لبنان من اي خارج، ولا امتيازات يتمسكون بها او ضمانات يطالبون بها عندما يكون في الحكم من يحكم خدمة للبنان اولا واخيرا وليس لأي بلد آخر قريب او بعيد، وعندها لن يسأل اللبنانيون وتحديدا المسيحيون من يحكم لبنان، بل كيف يحكم؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل