حبة الخردل !
نخشى أن يكون النائب السابق سمير فرنجيه في صدد البحث عن سراب يبتعد في متاهة ذوبان الحس بالمسؤولية الوطنية والكيانية عند عدد كبير من المسيحيين في لبنان وخصوصا الموارنة منهم.
فعندما يقول ان من الضروري البحث في الدور الذي يمكن ان يضطلع به المسيحيون للخروج من المأزق الوطني المتفاقم، وآخر فصوله قصة عرقلة تشكيل الحكومة، يكون تماما مثل الباحث عن الدواء في الداء عينه!
فليس سراً ان الانقسام العميق والجذري بين المسيحيين اللبنانيين والخلاف السرمدي بينهم على الزعامة والريادة والحجم، هو العامل الاساسي "التنفيذي" على الاقل، الذي يعطّل التشكيل كما سبق له ان وفّر "الغطاء الوطني" لتعطيل الدولة منذ خمسة اعوام. هذه حقيقة عملانية، بغض النظر عن كل ما قيل ويقال عن تكليفات وادوار مسيحية متصلة بالخارج، اضافة الى الابتزاز والانتهازية وتوظيف الازمة والتأزيم في معيار ارضاء الشخصانية وترسيخ الدور.
اما عندما يقول ان دور المسيحيين المرتجى، هو اعادة الوصل بين الناس، وان يكونوا قوة وصل في هذا البلد، فانه بلا ريب يقف في موقع "سيزيف"، ليس لان المسيحيين كانوا قوة القطع والانقسام في ما بينهم منذ ربع قرن من الزمن، اي مع بداية الحرب عام 1975، بل لان العودة الى تاريخهم البعيد ثم المؤسس لكيانية لبنان الوطن، تكشف مسلسلا لا ينتهي من فجائع القطع وطغيان الڤانديتا السياسية والزعاماتية اذ صح التعبير!
❒ ❒ ❒
ويعرف الصديق سمير فرنجيه جيدا، كل محطات المآسي والملاحم التي سببها المسيحيون لأنفسهم، وما كان لها من انعكاسات كارثية على لبنان، كما يعرف بالتأكيد ان المعجزة الحقيقية هي فعلا عندما يتم الوصل بين القيادات المارونية تحديدا، وعندها يسهل الوصل بين الناس واستطرادا الوصل مع الشركاء في هذا الوطن.
على امتداد اعوام الازمة التي تضرب المسيحيين وتنهك لبنان، كان الأخيار ينادون دائما، بأن تحقيق المصالحة والوحدة بين المسيحيين هو القاعدة الوحيدة والفريدة لتحقيق المصالحة والوحدة الحقيقيتين بين اللبنانيين.
ولكن التاريخ اللبناني المسيحي البعيد والقريب، اضافة الى ما هو عليه الوضع الماروني السياسي الآن، مسألة تحتاج الى "حبة الخردل" تلك التي تحدث عنها السيد المسيح، لكي يتجاوز المسيحيون جبال الدم والكراهية والانقسام والبغضاء التي قامت بينهم.
فعندما ينام يوسف بك كرم عند تخوم شتوره بعدما كان قد هبّ لنجدة المسيحيين في بعلبك في انتظار هزيمة اولئك ليصير الزعيم الاول، وعندما يموت ريمون اده في النفي القسري – الطوعي، وعندما يذهب الدكتور سمير جعجع الى السجن ويُبعد الجنرال ميشال عون الى المنفى، ثم يعودان الى ذلك الزمن العجيب الذي توقف في انتظار عودتهما، للبدء من حيث توقفت المأساة، فلا بد من ان يكون في الحديث عن الوصل ودور الموارنة في هذا الوصل طموح كبير وايمان على رجاء، بأنه يمكن فعلا التقاط السراب في هذه البرية.
اما عندما نرى جحافل الفريسيين مدجّجة بأكاليل الشوك ورماح الاسفنج والخل، وهي تستشيط غضبا عند تلة بكركي، طالبة انزال بطريرك الموارنة عن عرش حراسة الحق والصدق والمحبة، داعية الى عزله وجعل وصاية عليه، وفاتحة المجال لأصوات "اشقاء" في الوطن ينكرون على بكركي مجد لبنان الذي اعطي له، فاننا نحتاج فعلا الى معجزة تعيد وصل هذا القطع التاريخي المتسع والمؤلم والمدمر للمسيحيين ولمعنى لبنان وفلسفته.
❒ ❒ ❒
ولكن من اين تأتي المعجزات يا صديقي؟
أوليست "الساحة المسيحية"، وعذرا على كلمة الساحة، حلبة الصراع الوحيدة في لبنان، يتقاتل عليها وبها اخوتنا الشيعة والسنة والدروز، وهم شركاؤنا في الوطن، الموحدة صفوفهم والمتضافرة كلمتهم؟ أوَليست هذه الساحة حلبة المصارعة الاقليمية على النفوذ والادوار والمواجهة الدولية على الاستراتيجيات؟
فمن اين تدخل المعجزة وقد جعلنا من الارشاد الرسولي على سبيل التذكير، مجرد كتاب انيق في جليد الحائط لا في دفء القلب ونور العقل؟
وكيف لهذا الوصل ان يتم اذا كان كل هذا التاريخ من الصراعات، لم يدفع الى قيام مؤسسة بحثية واحدة، تحاول ان تدرس اسباب الفردية المتوارثة في السيكولوجيا المارونية، وهي فردية نشأت من تراكم المظالم وتاريخ الاضطهاد الذي عرفه الموارنة، في غياب سقوف سياسية تحميهم، حيث علمهم الاضطهاد ووحشة المغاور في حقبة طويلة من الزمن، ان ليس للمرء الا نفسه تحميه، وهذا هو الرحم الطبيعي لقيام الفردية والزعامات المنقسمة والمتقاتلة، وهو ما يصرّ البعض على تسميته التعددية الخلاّقة او روح الديموقراطية.
ولكن روح المسيحية غائبة او مغيّبة.