"النهار": تقارير الأمم المتحدة تضيء على النظرة الدولية الى لبنان
كتبت صحيفة "النهار": مع ان التقارير الدورية التي تصدرها الامم المتحدة في شأن قرارات مجلس الامن ذات الصلة بلبنان لم تعد تثير اصداء داخلية واسعة على غرار ما كانت تثيره سابقاً، وغالباً ما تقتصر ردود الفعل عليها على "حزب الله" في موضوع سلاحه، جاء التقريران اللذان صدرا اخيراً عن تنفيذ القرارين 1559 و1701 بمثابة اضاءة على النظرة القديمة – الجديدة للمجتمع الدولي الى معظم المكونات الرئيسية للوضع اللبناني الراهن.
وبمعزل عن المواقف السياسية الداخلية من مضمون التقريرين، وهي مواقف تتسم بالانقسام المكمل للخلاف السياسي، تبدو السمة البارزة للتقريرين في انهما يعكسان توازناً سلبياً في نظرة الامم المتحدة والقوى الدولية حيال المسار اللبناني عموماً. ويبرز ذلك بوضوح في عاملين اساسيين تردداً في عبارات متشابهة على نحو شبه حرفي في التقريرين اللذين صدرا بتعاقب قصير.
العامل الاول يتمثل في تركيز التقريرين على تشجيع الافرقاء اللبنانيين على توظيف عامل المصالحة السورية – السعودية للمضي في تخطي العقبات التي تعترض تأليف الحكومة من دون اغفالهما اهمية الحفاظ على نتائج الانتخابات النيابية. وفي ذلك تعتمد الامم المتحدة منحى واقعياً يأخذ في الاعتبار عامل التأثير الاقليمي على الوضع السياسي، ولكنها تدفع في اتجاه توظيفه ايجاباً لترك العملية السياسية الداخلية تأخذ مجراها بدفع من التوافق السوري – السعودي، ولا يختلف الامر من هذه الناحية في مقاربة التقريرين لملف العلاقات اللبنانية – السورية اذ يكرران الاشادة بخطوة اقامة العلاقات الديبلوماسية بين لبنان وسوريا في مقابل التذكير بالخطوات الناقصة والتي لم تنفذ بعد على صعيد ترسيم الحدود ومراقبتها خصوصاً. ويعكس هذا التوازن في اعتماد عامل واقعي وآخر مبدئي تفهماً دولياً لظروف لبنان من جهة، وعدم التخلي عن رسالة المجتمع الدولي الى الافرقاء المحليين والاقليميين في شأن مضامين القرارات الدولية ولا سيما منها الـ 1559 و1701 من جهة اخرى.
اما العامل الثاني فيتمثل في نبرة القلق والتحذير حيال الانتهاكات المستمرة للقرارين عبر جردة طويلة ومسهبة يمكن ان تشكل في ذاتها رسماً خطيراً للمنحى الذي يتهدد لبنان باستمرار من جراء تراكم هذه الانتهاكات.
واذا كان التقرير الاول المتصل بالقرار 1559 قد اثار ردود فعل غاضبة على واضعه تيري رود – لارسن لاعتبارات معروفة، فإن التقرير الثاني للامين العام للامم المتحدة بان كي – مون المتصل بالقرار 1701 يكتسب خطورة مزدوجة نظراً الى التحذير الذي اطلقه حيال "الفسحة" الزمنية المحدودة لانتداب قوة الامم المتحدة الموقتة والمعززة "اليونيفيل" في الجنوب. هذا التحذير يبدو عاملاً جديداً وسط الظروف الاقليمية الشديدة الخطورة وتعاقب الاحداث التي شهدتها المنطقة الحدودية اخيراً. واذ يبدو واضحاً ان التقرير الثاني جاء استكمالاً للاول في سرده للانتهاكات الاخرى غير المتصلة بالوضع في الجنوب لجهة استمرار تهريب السلاح الى لبنان واقامة القواعد العسكرية لمنظمات فلسطينية واثارته موضوع سلاح "حزب الله"، فإن تركيزه على القلق من الانتهاكات في الجنوب والمناطق الاخرى يأخذ الوضع اللبناني الى ضفة مختلفة تماماً عن تلك التي تشغل اللبنانيين منذ الانتخابات النيابية ونشوء الازمة الحكومية.
حتى ان بعض المراقبين يعتبر ان اهمية هذين التقريرين لا تكمن في طابعهما الدوري او مستوى "التحديث" الذي طرأ عليهما، بل في كونهما يعيدان "التوازن" الى الاختلال العميق في المشهد الداخلي. فالازمة الحكومية جعلت الرأي العام الدولي والمحلي يسهو عن الشق الآخر الاساسي في هذا المشهد، والمتصل بالتحديات المتأصلة لمسار الدولة واعادة تكوين مؤسساتها وسيطرتها الكاملة امنياً على البلاد. واياً تكن المواقف الداخلية من التقريرين، فهما يساهمان في اعادة تصويب "المشهد اللبناني عبر التذكير على الاقل بأن الرصد الدولي للبنان لا يزال ينطلق من الزاوية الام الاساسية التي تتمثل في الاختراقات الاقليمية، ولو ان هذا الرصد لا يكفي لتبرئة المجتمع الدولي من تحكيم مصالحه او تقلباته او انحيازاته حيال لبنان.