#adsense

في القفز السياسي بين نقاط ثلاث (إدوار الزغبي)

حجم الخط

في القفز السياسي بين نقاط ثلاث

لا ينكر أحدٌ، في الشمال وغير الشمال، أن وزارة الدولة "الفخرية" التي استعادها رئيس "تيار المردة" سليمان فرنجيه، بعدما كان ردّها الى "بيت الوسط" مع الشكر، جعلت الفأر، كما يقولون عندنا، يلعب في عبّ العماد ميشال عون. هل هي دمشق تريد تسهيل تأليف الحكومة، من غير علمه، بواسطة حليفها الأول؟ هل هو سعد الحريري ينجح في محو سياسة "البينغو" وأرقام السيارات المميّزة من ملفّ ضيفه، فيردّ ضيفه بأن يمحو عبارته القاسية "اللي خلّف سعد مات عن جدّ"، وتنشأ بين الحريري الابن وفرنجيه الحفيد علاقة صافية لم تصل بعد الى مقولة "صافي يا لبن"، لكنّها تشير الى طقس صاح بين قريطم وبنشعي؟ هل هي طهران لا تريد أن تنجح قمة دمشق في لبنان، فتوعز الى من يوعز الى الرابية بأن تعطيه يدها وتلحق به الى حيث يجرّب أن يردّ العجل الى بطن أمّه؟.

في حساب سياسي شمالي شاب أن العماد ميشال عون يطلب ثمناً لتنازله عن حقيبة الاتصالات، إمّا حقيبة الداخلية، وإمّا حقيبة المالية، كما يقول حليف حليفه الرئيس نبيه بري، ويتجاهل أنه قبض الثمن المطلوب، عدّاً ونقداً. أي ثمن؟ انه توزير صهره جبران باسيل الخاسر مرّتين في الانتخابات النيابية، والذي قال له سابقاً "لعيونك يا جبران ما تتألّف حكومة". لم تمش التشكيلة الحكومية الأولى لأن حجم الوزراء ألان عون وفريد الخازن وادغار معلوف وحكمت ديب وفيرا يمين لا يعادل، في حساب عماد المعارضة، حجم الوزير جبران باسيل، ولأن حقائب الأشغال العامة والتربية الوطنية والثقافة لا يساوي ثمنها، في رأيه، ثمن حقيبة الاتصالات. إن هذا الرجل الخارج منذ عشرين عاماً من حياته العسكرية الى حياته السياسية لا يعرف سوى أن يقف وراء متراس، ويمارس الرفض للرفض. فهو رفض ما أجمع عليه أعضاء مجلس النواب الثالث عشر في الطائف، وأصدر قراراً بحلّ مجلسهم وحذّرهم من العودة الى بيروت. وهو رفض أن يتولّى حقيبتي الداخلية والدفاع في حكومة الرئيس العاشر الياس الهراوي الأولى. وهو رفض ثلاث حقائب وزارية في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى. والحبل على جرّاره.

في الشروط العونية، قبل الاستشارات النيابية وبعدها، أن رئيس "تكتل الاصلاح والتغيير" يطلب حقيبة المالية وأربعة وزراء دولة ثمناً لتنازله عن حقيبة الاتصالات. ويؤكّد الوزير السابق وئام وهّاب، وهو خارج من "بيت الرابية"، هذا الشرط العوني. لماذا؟ لأنه يريد الإمساك بخيط التعطيل من رأسه كرمى لحليفه وحليف حليفه. فوزير المال، في كل حكومة، يمكنه أن يرمي أي قرار حكومي في درجه، حتى ولو كان يتعلّق بتعيين حاجب في مدرسة. لكن عون يخطئ دائماً في الحساب. ففي الواقع، لم يعرف أحد بعد أن محسوبه الأثير جبران باسيل حاسوب جيد، وأن الأكثرية المسيحية التي يمثل في الندوة النيابية ترضى بأن يكون لها وحدها أربع وزارات دولة، أي وزارات فخرية لا تقدّم ولا تؤخّر. ثم هو يزيد حصّته نوعاً وكمّاً بأن يكون له ستّة وزراء متنازلاً عن نصف وزير للأكثرية النيابية. هذا حق من "حقوقه المقدّسة" ولكن ليس حساباً مضبوطاً. فاذا كان يريد إكمال "العشرة بعد النشرة" بستة وزراء مسيحيين من عنده، فماذا يبقى لشيخ المعارضة نبيه بري وسيدها حسن نصرالله؟ أربعة وزراء شيعة؟ كيف يجيز لنفسه أن يخربط المناصفة التي أقرّها اتفاق الطائف بين المسيحيين والمسلمين؟ أو أن يخربط المثالثة التي يدعو اليها.

بات مؤكّداً، في الوسط السياسي الشمالي، أن طبع العماد ميشال عون يغلب دائماً تطبّعه. فهو تصنَّعَ الهدوء والبال الطويل بعد ستّة لقاءات في "بيت الوسط" و"بيت الرابية" مع الرئيس سعد الحريري، وتبادل معه الابتسامة والخبز والملح. لكنه، من غير إنذار، شنّ هجومه المعتاد على خصومه السياسيين داعياً صهره الى التمسّك بحقيبة الاتصالات، ومتّهماً دولاً لم يسمّها بأن "لديهم مخططاً معيّناً ويريدون أن يركّبوا كل الناس وفقاً له". هل سوريا هي في عداد هذه الدول التي غمز من قناتها المتدخّلة في تركيب الحكومة اللبنانية؟ قد يجيب بعضهم على طريقة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بكلمة "لعم" أي لا ونعم في وقت واحد. غير أن المراقبين السياسيين سجّلوا في دفاترهم إشارة ذات دلالة، هي أن العماد ميشال عون استعاد خطابه الهجومي فور خروج النائب سليمان فرنجيه من "بيت الوسط" واصفاً حديثه مع الرئيس سعد الحريري بأنه "كان ممتازاً. هل نقز "التيار العوني الجديد في علاقته مع سوريا من "تيار المردة"، حليفها القديم والثابت؟ وهل حاول عون تدارك الالتباس في "تهمته الدولية"، فبرّأ سوريا قائلاً: "نحن اصدقاء سوريا وما يؤذيها يؤذينا"؟

قد يذهب بعضهم مذهب نائب رئيس مجلس النواب السابق ايلي الفرزلي الذي يتنفّس ملء رئته هواء ريف دمشق، فيقول "إن عقدة الحكومة هي في محاولة كسر العماد ميشال عون بما يمثّل من الأكثرية المسيحية". رأي الفرزلي غير صحيح. لا أحد يريد كسر عون. انّما لا أحد ينصحه بأن يتضمّن خطابه ولو كلمة حلوة واحدة. ولا أحد ينصحه بأن يضبط حسابه وهو يوزّع الحقائب الوزارية على قوى 8 آذار قبل أن يوزّعها على قوى 14 آذار. هل هو يعاني عقدة نفيه خمسة عشر عاماً، فيصادق من نفاه ويخاصم من طالب برجوعه؟ إن معظم اللبنانيين على اقتناع بأن عون الرابية حقّق انقلاباً شاملاً على عون بعبدا ثم على عون باريس، وانه هو، لا أحد غيره، يكسر كلمته.

ليس سرّاً من الاسرار أن "بيت الضاحية" مع "عين التينة" ومن دونها، جعل "بيت الرابية" متراساً له رافعاً فيه تلّة من أكياس الرمل. هو سيّد المعارضة وقائدها ومموّلها ومسلّحها، شاء من شاء وأبى من أبى. وهو، بهذه الصفة القيادية، حصر المعارضة المسيحية في هذا البيت المسيحي واضعاً بقيت جنود المعارضة خارجه. أين يقف البعثي والقومي والطاشناقي والارسلاني والفرنجي؟ عون وحده يفاوض باسم المعارضة، ووحده يقترح صيغاً حكومية، ووحده يطلب أثماناً، ووحده يتلقى ضغوط بيت ابيه وحليفه وحليف حليفه. وهذه الضغوط الظاهرة والخفية في آن واحد تجعله يقفز في الطريق الى القصر الحكومي من نقطة الصفر الى نقطة الوسط الى نقطة النهاية، ومن نقطة النهاية الى نقطة الصفر. قفز سياسي بين نقاط ثلاث لا أحد يعرف متى ينتهي، أو متى يتحوّل قفزاً في الشارع.

بقلم ادوار الزغبي

المصدر:
النهار

خبر عاجل