لا صفقة إيرانية – دولية بل صراع مستمر
أوباما اقترح والبرادعي تبنّى خطة اضعاف ايران نووياً
"اصطدمت عملية التفاوض بين ايران والدول الست الكبرى اميركا وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا والمانيا بعقبتين اساسيتين تعكسان جدية الخلافات بين الطرفين وعمقها، مما يشير الى استمرار الصراع الايراني – الغربي، ويعني ان المحور السوري – الايراني سيواصل اعتماد استراتيجية المواجهة وتطبيقها في لبنان والعراق وفلسطين وساحات اقليمية أخرى. فالدول الكبرى، اولاً، ترفض ان تعقد اي صفقة مع الجمهورية الاسلامية تسمح لها بامتلاك السلاح النووي وتغيير موازين القوى في الشرق الأوسط لمصلحتها، بل انها مصممة، عبر الحوار او بوسائل أخرى، على تقليص القدرات النووية لايران الى أدنى حد ممكن لمنعها من انتاج السلاح النووي. لذلك تبنت الدول الكبرى ودعمت اقتراح المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي القاضي بنقل معظم المخزون الايراني من الاورانيوم المخصب بنسبة 3,5 في المئة الى روسيا ثم الى فرنسا لمعالجته وللحصول على الوقود النووي الذي يحتاج اليه مفاعل الأبحاث الطبية في طهران. لكن ايران مصرّة في المقابل على التمسك باستقلالها النووي والاحتفاظ تالياً بمخزونها من الاورانيوم المنخفض التخصيب الذي يبلغ حالياً 1500 كيلوغرام، او بالجزء الأكبر منه لأن ذلك يسمح لها بانتاج السلاح النووي في الوقت الملائم. فالايرانيون يملكون الامكانات التكنولوجية اللازمة لتخصيب كمية الاورانيوم هذه بنسبة 95 في المئة وهي النسبة الضرورية لانتاج السلاح النووي".
هذا ما أدلت به الينا مصادر ديبلوماسية اوروبية في باريس معنية مباشرة بهذا الملف. وأوضحت ان اقتراح نقل كمية كبيرة من الاورانيوم الايراني الى الخارج لتحويله وقوداً نووياً للاستخدام الطبي هو أساساً اقتراح اميركي تبناه البرادعي وقدمه الى المسؤولين الايرانيين. وحقيقة ما جرى، استناداً الى معلوماتها، ان الايرانيين طلبوا من البرادعي في حزيران الماضي ان تؤمن لهم الوكالة الدولية للطاقة الذرية وقوداً نووياً لاستخدامه في مفاعل للابحاث الطبية في طهران على اساس ان كمية الوقود التي يملكونها ستنفد في نهاية 2010. واطلع البرادعي الدول الكبرى المعنية على هذا الطلب الايراني، فاهتم بالموضوع الرئيس باراك أوباما وناقشه مع مساعديه، فقدم له مستشاره لشؤون الحد من انتشار الاسلحة النووية غاري سامور اقتراحاً محدداً يهدف الى اغتنام هذه الفرصة لامتحان النيات السلمية لايران. وينص الاقتراح على مطالبة ايران بارسال 1200 كيلوغرام من مخزونها من الاورانيوم والبالغ 1500 كيلوغرام الى روسيا لتخصيبه بنسبة 19,75 في المئة وارساله بعد ذلك الى فرنسا لتتولى تحويله وقوداً نووياً صالحاً للاستخدام في المفاعل الطبي لطهران. وتبنى اوباما اقتراح مستشاره وحصل على تأييد الرئيسين الروسي دميتري ميدفيديف والفرنسي نيكولا ساركوزي له، ثم اطلع البرادعي على مضمونه فرحب به الأخير ونقل نصه الى المسؤولين الايرانيين الذين أبدوا استعداداً لمناقشته مع ممثلي الدول الكبرى. وهذا ما تم في اجتماع جنيف بين وفد ايراني برئاسة سعيد جليلي وممثلين للدول الست الكبرى والذي انعقد مطلع تشرين الاول الماضي. وفي هذا الاجتماع أكد جليلي تأييد ايران "المبدئي" لاقتراح نقل الاورانيوم الى الخارج، ثم عقد جلسة محادثات مغلقة مع رئيس الوفد الاميركي وليم بيرنز الذي شدد على وجوب اتخاذ القيادة الايرانية اجراءات عملية محددة لطمأنة المجتمع الدولي الى انها ليست راغبة في امتلاك السلاح النووي، وعلى ان احراز تقدم في المفاوضات الايرانية – الدولية سيؤدي الى تحسن العلاقات بين ايران والولايات المتحدة واعادتها الى طبيعتها تدريجاً.
ونتيجة هذا التفاهم المبدئي في جنيف قدم البرادعي الى ممثلي ايران واميركا وروسيا وفرنسا خلال محادثات اجريت في فيينا في الفترة بين 19 و21 تشرين الاول الماضي مشروع اتفاق مستوحى من الاقتراح الاميركي الاساسي ينص خصوصاً على اخراج 1200 كيلوغرام من الاورانيوم المخصب من ايران دفعة واحدة وليس على مراحل وقبل نهاية 2009 وارسال هذه الكمية الى روسيا لتخصيبها بنسبة 19,75 في المئة، ثم ترسل روسيا هذا الاورانيوم المخصب الى فرنسا التي تتولى تحويله وقوداً نووياً، قبل تسليمه الى الايرانيين للاستخدام الطبي.
وعلى هامش محادثات فيينا انعقد اجتماع في مكتب البرادعي رئيس الوفد الايراني علي اصغر سلطانية ورئيس الوفد الاميركي دان بونمان مساعد وزير الطاقة اكد خلاله المسؤول الاميركي ان موافقة ايران الرسمية على مشروع البرادعي ستؤدي الى بناء علاقة ثقة بينها وبين اميركا والغرب وستدفع الاميركيين والغربيين الى مساعدة الايرانيين على تطوير برنامجهم النووي للاغراض السلمية وستمهد لاجراء مفاوضات جدية لتسوية المشكلة النووية والقضايا العالقة الأخرى.
وقد أيدت اميركا وروسيا وفرنسا والدول الكبرى الأخرى، بالطبع، مشروع البرادعي هذا، لكن القيادة الايرانية أبدت تحفظات جدية عنه وطالبت بتعديله بصورة جوهرية وجذرية كي تتمكن الجمهورية الاسلامية من الاحتفاظ بمخزونها من الاورانيوم. لذلك تقترح القيادة الايرانية إما شراء وقود نووي للاستخدام الطبي عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية وإما ارسال كمية محدودة من الاورانيوم الى الخارج وعلى دفعات لتحويله وقوداً نووياً كي تظل تحتفظ بمخزونها الأصلي، ذلك انها تستطيع انتاج 80 كيلوغراماً من الاورانيوم المنخفض التخصيب شهرياً.
أهداف الدول الكبرى
وافادت المصادر الاوروبية المطلعة ان الدول الكبرى تسعى من خلال دعم مشروع البرادعي الى تحقيق الاهداف الاساسية الآتية:
أولاً – وضع القيادة الايرانية على المحك وأمام الاختبار الحقيقي للتأكد مما اذا كانت تريد فعلاً طمأنة المجتمع الدولي والدول العربية الى نياتها السلمية، ام انها تريد كسب مزيد من الوقت والاحتفاظ بمخزونها من الاورانيوم المخصب من أجل انتاج السلاح النووي لاحقاً.
ثانياً – تريد الدول الكبرى عبر مشروع البرادعي ان تؤكد للنظام الايراني انها ترغب في التعامل معه وليس العمل على اسقاطه او التآمر عليه، وانها مستعدة للتوصل الى تفاهمات محددة وواضحة مع الجمهورية الاسلامية تؤمن لها مصالحها الحيوية السلمية المشروعة المقبولة دولياً وغير المتناقضة مع المصالح الحيوية المشروعة لدول الشرق الاوسط.
ثالثاً – تريد الدول الكبرى تجميد قدرة ايران على انتاج السلاح النووي من خلال اخراج معظم مخزونها من الاورانيوم المخصب الى الخارج لتلبية حاجاتها من الوقود النووي للاستخدام الطبي. وكما قال لنا ديبلوماسي اوروبي مطلع، لقد استغلت الدول الكبرى نقطة الضعف الايرانية وهي حاجة ايران الى وقود نووي للاستخدام الطبي من أجل تحقيق ما عجزت عن تحقيقه العقوبات الدولية وهو تقليص المخزون الايراني من الاورانيوم المخصب الى أدنى حد مما يعطل قدرة الجمهورية الاسلامية على انتاج السلاح النووي لفترة زمنية معينة".
رابعا – رأت الدول الكبرى ان موافقة ايران على مشروع البرادعي خطوة أساسية وضرورية لاشاعة الاجواء الملائمة لبدء مفاوضات جدية بين هذين الطرفين تهدف الى التوصل الى حل نهائي للمشكلة النووية الايرانية. وهذا الحل يقوم، وفقا للدول الكبرى، على أساس أن توقف ايران عمليات تخصيب الاورانيوم في أراضيها، أو أن يستمر التخصيب بنسبة أقل من أربعة في المئة وفي ظل رقابة دولية مشددة على كل المنشآت النووية الايرانية وتعاون ايراني كامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية خلافا لما هو الحال منذ بضع سنوات حتى الآن. وفي مقابل ذلك تلغى أو تجمّد العقوبات الدولية المفروضة على ايران وتحسين العلاقات بينها وبين أميركا والدول الغربية عموما في مختلف المجالات. وستتناول المفاوضات الجدية الاجراءات والخطوات المحددة لتحسين العلاقات الايرانية – الاميركية – الغربية، والقضايا الاقليمية المهمة وفي مقدمها العراق وأفغانستان ولبنان وفلسطين والوضع في الخليج العربي وفي المنطقة عموما، وستتركز على ضرورة قيام الجمهورية الاسلامية بدور ايجابي وبناء في المنطقة وساحاتها المختلفة داعم للأمن والاستقرار والسلام ومختلف تاليا عن دورها الحالي السلبي والخطر.
خامسا – تخلّي ايران عن معظم مخزونها من الاورانيوم المخصب سيؤدي الى تأجيل او الغاء أي عملية عسكرية اسرائيلية محتملة ضد المنشآت النووية والحيوية الايرانية، كما سيطمئن الدول العربية الى ان الجمهورية الاسلامية لم تعد تملك القدرة على انتاج السلاح النووي، وانها مستعدة للتوصل الى تفاهمات سلمية حقيقية مع الدول الكبرى تضع حدا لمشاريعها النووية العسكرية.
المطالب الايرانية
ولكن بدا واضحا أن القيادة الايرانية ترفض التفاهم مع الدول الكبرى على أساس مشروع البرادعي لأن ذلك ينهي استقلالها النووي ويضعف موقعها التفاوضي مع الكبار، كما يضعف دورها الاقليمي وينعكس سلبا على خططها في المنطقة. فالقيادة الايرانية ترى، وفقا للمصادر الاوروبية المطلعة، ان تخليها عن معظم مخزونها من الاورانيوم المخصب من أجل الحصول على وقود نووي للاستخدام الطبي يعني الرضوخ لارادة الدول الغربية من غير ان يحقق الايرانيون أي مكاسب حقيقية وملموسة.
وأوضحت المصادر الاوروبية المطلعة ان القيادة الايرانية تريد تسجيل انتصار سياسي واستراتيجي في مفاوضاتها مع الدول الكبرى وليس الخروج مهزومة من هذه المفاوضات، ولذلك تتمسك بثلاثة مطالب أساسية ترفضها الدول الكبرى وهي الآتية:
أولا – مواصلة عمليات تخصيب الاورانيوم في أراضيها من دون الخضوع لشروط الدول الكبرى ومطالبة هذه الدول بتقبل الامر الواقع والتعامل مع ايران على أساسه.
ثانيا – قبل التوصل الى أي صفقة مع الدول الكبرى، سحب الملف النووي لايران من مجلس الامن وتسليمه الى الوكالة الدولية للطاقة الذرية كي يتم التعامل معه على أساس انه ملف تقني وليس ملفا سياسيا واستراتيجيا او ورقة ضغط تستخدمها الدول الغربية لانتزاع التنازلات من الايرانيين.
ثالثا – ان يرفع مجلس الامن العقوبات الدولية المفروضة عليها أو أن يلغيها كمبادرة حسن نية من الدول الكبرى، مما يمهد حينذاك لاجراء مفاوضات جدية ومثمرة بين هذه الدول والقيادة الايرانية.
ولاحظ ديبلوماسي أوروبي مطلع "أن رضوخ الدول الكبرى لهذه المطالب والشروط الايرانية يشكل هزيمة سياسية واستراتيجية حقيقية لها ويعني اعطاء الضوء الاخضر ضمنا لايران لتواصل نشاطاتها المختلفة لانتاج السلاح النووي في ظل رقابة دولية غير مشددة وتعاون غير مكتمل بين الجمهورية الاسلامية والوكالة الدولية للطاقة الذرية وفقا لما يؤكده البرادعي في تقاريره الرسمية". وأضاف: "لقد أخطأت القيادة الايرانية حين تعاملت مع الانفتاح الاميركي والغربي عليها على أساس انه يعكس ضعفا أميركيا وغربيا واستعدادا ضمنيا غربيا للتعايش مع ايران المسلحة نوويا. وهذا تصور خاطئ تماما. والواقع ان عملية التفاوض أظهرت بوضوح ان اعتماد سياسة التهدئة والحوار والانفتاح في التعامل مع ايران ليس كافيا وحده لتحقيق الانقلاب المطلوب في السياسات والتوجهات الايرانية ولدفع الجمهورية الاسلامية الى التخلي عن خططها النووية العسكرية التي تثير مخاوف جدية دولية وعربية وتشكل تهديدا للأمن والسلم الاقليميين والدوليين. واذا ما وصلت عملية التفاوض هذه الى طريق مسدود خلال الاسابيع المقبلة نتيجة الحسابات والرهانات الايرانية الخاطئة، فان ذلك سيفتح الباب أمام احتمالات بالغة الخطورة وأمام سيناريوات مختلفة كليا عن تلك التي نشهدها حاليا".