وزارات… كخّ ؟!
لم يسبق في تاريخ الدول والحكومات ان أهين الناس واحتُقرت الوزارات والمؤسسات، على نحو ما يجري الآن على هامش تشكيل الحكومة، وقد حوّلته المعارضة استحقاقاً ملائما لتحقيق ثلاثة أمور:
❒ اولاً، اسقاط مفهوم الديموقراطية البرلمانية نهائياً وجعل عنوان "التوافق" غلافاً تجميلياً لقيام "الثلث المعطل" كعرف له مفعول الدستور، وان لم يكن هذا الثلث للضمان او الاطمئنان كما يقال، بل للقدرة الدائمة على امتلاك "حق الفيتو".
وعندما يكون التوافق ثمرة الاجماع لا يمكن التوصل اليه في بلد تعددي مثل لبنان ويشكل ايضاً مفصلاً تتقاطع فوقه خطوط النفوذ الاقليمي والدولي.
هذا الامر تم التوصل اليه منذ اللحظة التي تبين فيها ان دعوة الرئيس المكلّف سعد الحريري الى قيام حكومة وحدة وطنية لا يمكن ان تُستجاب الا على قاعدة 15 + 10 + 5.
اذاً كلفنا خاطركم وخاطر الجمهورية والديموقراطية والتوافق المزعوم ايضاً.
❒ ثانياً، اسقاط نتائج الانتخابات التي اكدت فوز قوى 14 آذار، من خلال التراجع اولاً عن شعار "من يربح يحكم" الذي صدحت به المعارضة، وثانياً من خلال اخضاع مفهوم المشاركة والوحدة الوطنية في السلطة التنفيذية، لعملية ابتزاز مبرمجة ومتواصلة، ودائماً على قاعدة فحواها:
نأخذ ما نريد من الحقائب ونفرض ما نريد من الاسماء، والا فإن المعارضة لن تدخل الحكومة. واذهبوا وتفاهموا مع الجنرال ميشال عون، الذي لا يمكن التفاهم معه اطلاقاً الا من خلال التسليم بأنه الزعيم المسيحي الاوحد، وهذا ما يخلق مشكلة بنيوية في صفوف الاكثرية ويحرج الرئيس المكلّف مع حلفائه المسيحيين.
❒ ثالثاً، اسقاط الوهج الذي اكتسبه سعد الحريري في الانتخابات، ومحاولة تشويه صورته السياسية امام الناس، عبر السعي الى تحميله مسؤولية العجز عن تشكيل الحكومة، وهي اولى مهماته في نادي رؤساء الحكومات. وكل ذلك بهدف تنحية "الحريرية السياسية" اذا صحّ التعبير، التي وضع قواعدها والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وجعلت السنّة يقفون للمرة الاولى في تاريخ لبنان امام المسيحيين في المطالبة بالحرية والسيادة والاستقلال.
❒❒❒
ولكن من الواضح حتى الآن، ان سعد الحريري اجتاز سريعاً "معمودية التعجيز"، وأثبت انه ليس من ذوي العريكة اللينة. ففي المرة الاولى فاجأ الجميع عندما وضع حروفه فوق نقاط التعطيل المتعمد، عندما قدّم تشكيلة حكومية اعطت المعارضة اكثر مما كانت تنتظر، لكنها رُفضت، لان المطلوب ليس ولادة الحكومة بل تحقيق الاهداف التي اشرنا اليها.
وهذه المرة مضى بعيداً في الحوار والمباسطة والمكاشفة وتقديم العروض، وبرغم التزامه حدود الكتمان والصمت، بات اللبنانيون أكثر فأكثر على دراية بالاسباب الحقيقية للتعطيل وعلى بينة ممن يعمل على طريقة "من بعد حقائبي ما يبقى وزارات"، فتراوح البلاد في الفراغ.
ولكن كلما مضى الوقت بسبب الاصرار المتناسل على ابتزاز الحريري تارة بالحقائب وتارة بالاسماء، فهم اللبنانيون جيداً من اين تهب رياح التعطيل والتعجيز، وادركوا ايضاً من الذي ينفخ فيها ويجلس مستريحاً ومبتسماً، في حين تمضي الدولة نحو المزيد من الضعف والهزال.
❒❒❒
وسط هذه الدوامة المؤسفة ليس على المرء الا ان يرى الى اي درك وصلنا في مسألة الخلاف على تشكيل الحكومات. فلم يعد الامر مقتصراً على مسألة "الثلث المعطّل" او بدعة التوافق في الديموقراطية.
لا، لقد دخلنا سوق الاوقية. وصارت المسؤولية الوزارية درجات ومراتب. ولا نظنّ ان في بلاد الجهل والمهازل، من وصل به الامر الى حد تصنيف الحقائب الوزارية بهذه الطريقة من الازدراء كي لا نقول الاحتقار.
نحن في لبنان يا جماعة. وثمة من ينظر الى وزارة الثقافة مثلاً كأنها من سقط المتاع. لبنان العلم والجامعات والفنون والكتب والابداع وبعاصمته العالمية للكتاب. لبنان الذي اخترع الحرف. لبنان الذي يعلم العرب ويصنع المعرفة في المنطقة من خلال مثقفيه والمبدعين فيه. لبنان المسكين هذا صارت وزارة الثقافة فيه "كخّ"؟
نحن في لبنان يا جماعة الله. وثمة من يحتقر وزارة البيئة التي سبق ان قال عنها الجنرال ميشال عون ما غيرو، انها أُمّ الوزارات واهم الوزارات، وهو محقّ في ذلك. وزارة البيئة "كخ" ايضاً، في وقت تمضي الحيتان السياسية في نهش الجبال عندنا التي ورد ذكرها في الكتاب المقدس عشرات المرات. ووزارة البيئة مسخرة واهل الفجور يحولون البلد مقلباً لنوعين من النفايات. زبالتنا التي تغرق الشوارع والاحياء وقد وصلت الى شواطئ اوروبا، وما نستورده من زبالة بضائع الاستهلاك ونطعمه للناس.
ايضاً وزارة الصناعة "كخّ"، لان لا وقت لدى بعض السياسيين الا لصنع المقالب والازمات والكوارث وحفر الحفر والتنجير وما الى ذلك من الابداع.
اما وزارة السياحة فهي ايضاً "كخّ بكخ"، ربما لان المليوني سائح الذين يجيئون الينا ونغالي عادة في المفاخرة بهم، انما يأتون للاستمتاع بفنون تقزيم السياسة وشرشحة المسؤولية لا بجبال الصوان، او بما تبقى من الغابات التي ننشط في جعلها فحماً للنراجيل ونحن بلد نصدّر بفخر الفحم الاسود، بعدما كنا نصدّر العلم والتنوير!
نعم وزارة السياحة "كخّ"، ربما لان الاستمرار في ما نحن عليه من نِعم السياسة والسياسيين، سيؤدي بالتالي الى جعل اللبنانيين سياحاً يهيمون في اصقاع الدنيا والكشة على ظهورهم!
ولا من يستحي!