#adsense

بكركي تحتضن استراتيجياً قضية الديموقراطية بعد انتخابات 2009 كما احتضنت قضية الجلاء بعد انتخابات 2000

حجم الخط

بكركي تحتضن استراتيجياً قضية الديموقراطية بعد انتخابات 2009 كما احتضنت قضية الجلاء بعد انتخابات 2000
المسألة المركزيّة على جدول أعمال اللبنانيين يستحيل طمسها

يمكن، إلى حد بعيد، وبالتجاوز على فروقات غير قليلة، المقارنة بين أخذ الكنيسة المارونية قضية تحقيق الجلاء على عاتقها في إثر انتخابات 2000 وبين أخذ الكنيسة على عاتقها "رفع التناقض" بين الديموقراطية والسلاح، لصالح الديموقراطية، في إثر انتخابات 2009. في الحالتين، ثمّة كنيسة تلتقط المضمون الفعلي لحركة التصويت في الانتخابات النيابية، هذا المضمون الذي لا يتسامح معه الأمر الواقع لا في سياق عام 2000 ولا في سياق عام 2009.

وإذا جازت هذه المقارنة فإنّ تركيز الكنيسة المارونية على هذا التناقض بين الديموقراطية والسلاح من شأنه، أيّاً كان المسار الذي تسلكه الأمور بين الفرقاء السياسيين، أن يتحوّل إلى كرة ثلج من شأنها أن تكبر وتكبر، وتفرض نفسها من خلال بناء شبكة التواصل بين القوة الحافظة للقضية (وهي هنا الكنيسة والبطريرك نصر الله بطرس صفير) وبين الرأي العام المعيد "تحيين" هذه القضية أولاً بأوّل، وعلى محك كل تعطيل للحياة السياسية أو كل طارئ عليها. بمعنى آخر، إن الخوف الذي كان مبرّراً بعد الانتخابات من أنّ أحداً لن يمكنه في ظلّ الواقع "الملتبس" أن يعيد تسليط الضوء على تناقض الديموقراطية والسلاح، ما عاد الآن مبرّراً بهذه الدرجة.

والسؤال الأوّل الذي يطرح نفسه يتّصل بالعلاقة بين القوة الحافظة لقضية الديموقراطية في مقابل ما يعطّلها وبين المتضرّرين من استمرار طرح هذه القضية، مع التذكير بأن أي محاولة لمحاصرة الكنيسة المارونية عام 2000 لم تؤد إلى نتيجة، وكذلك أي محاولة لمحاصرة "لقاء قرنة شهوان" لم تؤد إلى أي نتيجة. لكن ربّما كان على المتطلّعين إلى حصار كهذا أن يلتفتوا إلى أن الوضع الآن يقارن بعام 2000 أكثر مما يقارن بعام 1994 يوم أُمكنت محاصرة ثم قمع آخر فريق سياسيّ علنيّ كان يطرح المسألة السيادية إلى ذلك الحين، وهو "القوّات اللبنانية"، قبل أن تقوم انتخابات 2000 ثم النداء الأول لمجلس المطارنة ببعث هذه القضية. الوضع اليوم يقارن بما بعد انتخابات 2000 مسيحياً، وليس بظروف 1994 كما يتوهّم أولئك الذين يعطون الأولوية لاستراتيجية محاولة إستفراد "القوّات اللبنانية" من جهة، وإسناد المتعرّضين للبطريرك صفير من جهة ثانية.

أما السؤال الثاني فيطرح نفسه لجهة العلاقة بين القوة الحافظة لقضية الديموقراطية في مقابل ما يعطّلها وبين الحركة الإستقلاليّة ممثّلة بشكل أساسي بقوى 14 آذار. وفي هذا المجال فإنه يفترض بالحركة الإستقلالية أن تتحرّك بين "حدّ أدنى" و"حدّ أقصى". الحدّ الأدنى هو الرفض المستمرّ لأي تعرّض لموقف الكنيسة المناوئ لعملية اختزال السياسة في الأمن والديموقراطية في معادلة السلاح، والحدّ الأقصى هو العمل على الترجمة السياسية لهذا الموقف تبعاً لتقدير الظروف العامة والمصلحة العامة لعموم الحركة الإستقلالية والأوضاع الخاصة لكل ركن من أركانها.

والسؤال الثالث الذي يطرح نفسه هو عن أثر الإحتضان الإستراتيجي من قبل الكنيسة لقضية الديموقراطية في مقابل السلاح على رئاسة الجمهوريّة. وهنا لا بدّ من الإنطلاق من أنّ الدافع الأساسيّ وراء إثارة هذه القضية هو ما لحق بالرئاسة الأولى من ضروب تعطيل، ومن قضم لسنة ونصف السنة من عهدها، ومن إعاقة لدورها التوفيقيّ التحكيميّ على رأس الدولة اللبنانية. قضية حماية الديموقراطية اللبنانية تكاد تتماهى اليوم مع قضية إعادة الإعتبار للعهد الرئاسي إذ لا يجوز تأجيل الإنطلاقة الحقيقية لهذا العهد، خصوصاً بعد الإنتخابات الأخيرة التي مثّلت بشكل أو بآخر انتصاراً لقدرة هذا العهد على إعادة البلاد نحو جادة الإستقرار.

أما السؤال الرابع فهو عن الإلتقاء بين الإحتضان الإستراتيجي البطريركي لمسألة الديموقراطية في مقابل السلاح وبين المتابعة الدولية لهذا النوع من القضايا. لا تبني بكركي استراتيجيتها على مسارات خارجية، والدليل هو أنّ سيّدها سار وحيداً بين الأمم في قضية المطالبة باسترجاع سيادة لبنان عامي 2000 و2001، والكلّ يذكر كيف تحدى التجاهل الدولي لهذه القضية أثناء سفره إلى الولايات المتحدة. وقد يظنّ البعض أن قضية السلاح أكثر استعصاء من قضية الجلاء التي سبقتها، وأنّ طابعها "المحلويّ" نوعاً ما لربّما يصرف النظر الدوليّ عنها. لكنّ ذلك وهم، فهذه القضية جزء من مشكلة تُطاول الشرق الأوسط واستقراره ككل، ما يعني أنّها ستبقى تطرح بشكل أو بآخر دولياً، ومن الضرورة أن يبقى هناك مقام لبنانيّ يطرحها بثبات، وهذا ما تقوم به بكركي.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل