استمرار العرقلة ترجمة لأقوال لبنانيين وسوريين وإيرانيين
رابح الانتخابات لن يحكم والخاسر يشارك بشروط
يرى بعض المراقبين ان تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، الذي استغرق حتى الآن اكثر من أربعة أشهر، ما هو إلا ترجمة لما سبق أن صرح به الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله قبل الانتخابات النيابية، وجاء فيه "اذا ربحنا في الانتخابات نكون قد ربحنا واذا خسرنا فلا نكون خسرنا".
هذا الكلام جرى تفسيره في حينه ان "حزب الله" اذا فاز مع حلفائه في انتخابات 7 حزيران 2009 بالاكثرية النيابية يكون قد حكم البلاد، واذا لم يفز بها فانه لن يدع اكثرية 14 آذار تحكم بل سيتحكم بها من خلال اصراره على المشاركة. وقد عاد السيد نصرالله واكد ذلك لاحقا بقوله موجها كلامه الى قوى 14 آذار: "اذا اردتم عدم مشاركتنا إن فزنا بالاكثرية فلن نتوسل اليكم. وان الحزب الذي هزم اقوى جيش واقوى دولة في هذه المنطقة يدعمها اقوى جبار في هذا العالم هو اقدر على ان يدير بلدا مئة مرة اكبر من لبنان. فهل ستعصى علينا 10452 كيلومترا مربعا"…
وكان قد سبق هذا الكلام تصريح للرئيس الايراني محمود احمدي نجاد قال فيه: "ان فوز المعارضة في لبنان في الانتخابات النيابية المقبلة سيغير الاوضاع في المنطقة وسيؤدي الى تشكيل جبهات جديدة تقوم على تقوية المقاومة"…
وعندما فازت قوى 14 آذار بالاكثرية النيابية اعترفت قوى 8 آذار بنتائجها لكنها اشترطت تأليف حكومة وحدة وطنية والا فلا حكومة. لكنها وصفت هذه الاكثرية بانها ليست شعبية، ثم قالت انها ليست "ميثاقية" كي تشكل الحكومة منها فقط اي من لون سياسي واحد، وكأن الرابح في الانتخابات لم يربح لانه لن يحكم والخاسر لم يخسر لانه سيشاركه في الحكم…
وعندما تم تكليف النائب سعد الحريري تشكيل الحكومة اكد انها ستكون حكومة وحدة وطنية واعلن انه يمد يده الى الجميع لتحقيق ذلك، لكن الاقلية الممثلة بقوى 8 آذار والمتحالفين معها قررت بعد خسارتها معركة الفوز بالاكثرية في الانتخابات ان تتحكم في تشكيل هذه الحكومة بعدما افلتت فرصة الحكم من يدها، فعمدت خلافا لكل نص دستوري الى تسمية وزرائها واختيار الحقائب، وعندما لم تنجح في ذلك راحت تطالب بابقاء القديم على قدمه في تشكيل الحكومة الجديدة مبطلة عمليا باقتراحها هذا نتائج الانتخابات او وضع الرئيس المكلف سعد الحريري بين خيارين: اما تشكيل الحكومة كما تريد الاقلية فيعتذر مرة اخرى عن عدم تشكيلها فيخسر عندئذ رئاسة الحكومة وتصاب زعامته بضرر كبير، واما يقبل بتشكيلها كما تفرض عليه ليربح رئاسة الحكومة ويخسر قوى 14 آذار، اما اذا لم يعتذر لان الدستور لا يحدد مهلة للرئيس المكلف، فان الاقلية المسيرة تتخذ من غضب الناس ونقمتهم على ابقاء البلاد بدون حكومة ذريعة لتحمل عليه وتحمله مسؤولية استمرار الفراغ الحكومي وتداعياته في كل المجالات، وتحرك المشكلات الاجتماعية التي هي في حاجة الى حل مع الخوف من تردي الاوضاع الاقتصادية لتفرض عليه القبول برئاسة حكومة ليست حكومته او الاعتذار…
اما القول بأن سوريا وايران تساعدان على ازالة العراقيل من تشكيل الحكومة فهو قول لا يقبضه نواب في قوى 14 آذار، لان احدا لا يصدق ان كل دول العالم تطالب بتشكيل حكومة وحدة وطنية في لبنان وباسرع وقت وتستمر رغم ذلك عرقلة عملية التشكيل، بحيث انه ما ان تحل عقدة حتى تبرز عقدة جديدة، وما ان يصير اتفاق على حقيبة حتى يحصل خلاف على حقيبة اخرى. فلو ان سوريا وايران جادتان في ترجمة اقوالهما الى افعال لما احتاج تشكيل الحكومة الى اكثر من اسبوع، ولما كان اعلن الرئيس الاسد في تصريح له ان "تشكيل الحكومة هو من مسؤولية اللبنانيين"… وهو يعلم كل العلم كما يعلم سواه ان اللبنانيين لو كانوا قادرين على الاتفاق على تشكيل الحكومة لما كانوا انتظروا نتائج القمة السورية – السعودية، ولما كانوا انتظروا نتائج الاتصالات والمساعي التي تقوم بهما اكثر من دولة عربية واقليمية واجنبية، ولما كانت صحف سورية وسياسيون لبنانيون قريبون منها لا يتوقعون التوصل الى تشكيل الحكومة في وقت قريب، ويتحدثون عن احتمال مواجهة لبنان ازمة مفتوحة.
الواقع ان اللبنانيين لم ينسوا بعد كيف كانت تشكل سوريا زمن وصايتها على لبنان الحكومات فيه، وكيف كانت تسمي رؤساء الجمهورية وتجدد لهم بقرار منها رغم موقف الاكثرية الرافض، ثم تجعل الرافضين المحسوبين عليها يرفعون اصابعهم العشرة بالموافقة…
لذلك فان "التأخير الذي واجه تشكيل الحكومة هو تأخير متعمد هدفه انهاك الرئيس المكلف وجعله يقبل بحل التعب، وهو حل قد يجعل بعض اركان قوى 14 آذار يبتعدون عنه، وهو ما تعمل عليه سوريا وحلفاؤها بحيث تصبح قوى 8 آذار اكثرية وقوى 14 آذار اقلية، وقد كشف ذلك بعض النواب، واذا رفض الرئيس المكلف تشكيل الحكومة على النحو الذي تريده الاقلية وفضل الاعتذار، فان سوريا وحلفاؤها يكونون جاهزين لتشكيلها ان لم يكن من داخل المجلس فمن خارجه وان اعتبر ذلك انتصار سلبي.
ان مسار عملية تشكيل الحكومة، الذي استغرق اكثر من اربعة اشهر، ما كان يمكن ان يستغرق كل هذا الوقت لو ان سوريا وايران كانتا جادتين في تسهيل عملية التأليف، وما القول بانهما لا تتدخلان في عملية التشكيل هو تدخل بعينه، اذ انه يكفي ان يقول "حزب الله" او الرئيس بري او سليمان فرنجيه للعماد ميشال عون كفى مطالب تعجيزية لان دقة المرحلة وخطورتها تتطلبان تشكيل حكومة، واننا لم نعد نستطيع ان نجاريك في شروطك التعجيزية ومطالبك الصعبة، فلو انهم قالوا له هذا، لكان تراجع حتما عن هذه الشروط والمطالب. اما ان يقولوا ان لا حكومة من دون ارضاء عون، وعون يقول ان لا حكومة من دون صهره جبران باسيل، فهذا معناه تحميل الرئيس المكلف مسؤولية نقل الذئب والغنم الى مركب واحد بحيث لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم…
اي مطلوب منه ان يقوم بمعجزة والا اعتبر عاجزا عن تشكيل الحكومة كما تريدها سوريا وايران وحلفاؤهما في لبنان، وليست المرة الاولى التي تقول فيها سوريا شيئا وتفعل شيئا آخر ليس مع لبنان، بل مع غير دولة عربية واجنبية، وهو ما جعل وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون تقول ردا على سؤال: ان الموقف في لبنان يبعث على الاسى وان لا خطط لديها لزيارة سوريا في المستقبل المنظور لانها تريد ان ترى تغييرا في السلوك والاعمال السورية وانها تريد افعالا لا اقوالا…