تغيير موازين القوى يبدّل الأنظمة والدساتير
تشكيل حكومة أم طموح إلى "الجمهورية الثالثة"؟
بات واضحاً للكثيرين ان المسألة ليست مسألة تشكيل حكومة ولا هي مسألة خلافات على حقائب الا في الظاهر انما هي في الحقيقة مسألة البحث في كيفية إقامة "الجمهورية الثالثة" التي رفع العماد ميشال عون شعارها في الانتخابات النيابية! وإن اقامة هذه الجمهورية تتطلب الاتفاق على نظام جديد بديل من النظام الديموقراطي وعلى دستور جديد غير دستور الطائف. وسواء تم التوصل الى تشكيل الحكومة ام استمر تأخيرها، فان شعار "التغيير والاصلاح" لتكتل نواب "التيار الوطني الحر" سوف يتولى وزراء هذا التيار وحلفاؤهم تحقيقه داخل حكومة الوحدة الوطنية اذا تشكلت، وخارج هذه الحكومة اذا ظل تشكيلها متعثرا. وقد تكون العراقيل التي ستواجه الحكومة بعد تشكيلها اصعب من تلك التي واجهت تأليفها تحقيقا لهذا الشعار ولوضع اسس قيام "الجمهورية الثالثة".
فلو كانت المسألة تتعلق بمشاركة الاقلية في الحكومة للحؤول دون تفرد الاكثرية او استئثارها باتخاذ القرارات، فان هذه المشاركة لا تحتاج الى مواجهة خلاف على الحقائب لعرقلة عملية التشكيل، اذ ان الوزراء الذين يمثلون الاقلية في الحكومة بصرف النظر عن الحقائب التي يشغلونها قادرون على تفجير الحكومة من الداخل ساعة يشاؤون اذا ما صار اقرار مشروع او اتخاذ اي قرار غير مقبول منهم. فلماذا اذاً اثارة الخلاف على الحقائب اذا كان هدف المشاركة تعطيل اقرار اي مشروع او اتخاذ اي قرار من الاكثرية، الا اذا كان ثمة هدف آخر هو ان يكون الخلاف على سياسة الوزارات التي يتولاها وزراء الاقلية وهي وزارات خدماتية واقتصادية ومالية سببا لتعطيل عمل هذه الوزارات وتاليا تعطيل عمل الحكومة بحيث يخيّر هؤلاء الوزراء نظراءهم في الاكثرية بين الرضوخ لسياستهم او تطيير الحكومة؟
وحكومة ما يسمى وحدة وطنية في حال تم التوصل الى تشكيلها قد لا تكون حكومة وحدة عمل وانتاج، بل قد تكون جسر عبور للبحث في اسس اقامة "الجمهورية الثالثة" وذلك اما باعتماد النظام التوافقي او نظام آخر اذا لم يعد يناسب الاقلية، وباقتراح تعديلات على دستور الطائف حتى اذا كانت موضوع خلاف لا سبيل للخروج منه، فان البلاد تواجه عندئذ خطر فتنة داخلية يفرض فيها الاقوى رأيه على الاضعف والرابح على الخاسر، لان التعديلات الدستورية تفرضها موازين القوى الداخلية والخارجية.
ويجد بعض اركان قوى 8 آذار ان الظرف الحالي مؤات لتغيير النظام والدستور لان الفئة التي تحمل السلاح هي الاقوى عندما تجلس الى طاولة البحث في ذلك خصوصا وهي الآن مدعومة من جهات عربية واقليمية تجعلها قادرة على احداث التغيير الذي تريد.
والواقع ان المسيحيين وتحديدا الموارنة حصلوا على المناصب الكبرى في الدولة وعلى صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية عندما كانوا هم الاقوى في لبنان تحت الانتداب الفرنسي وقد استمر هذا الوضع بعد الانتقال من الانتداب الى الاستقلال. وظلت الزعامات المسيحية تعارض مسّ الدستور الذي يؤمن هذه الصلاحيات التي كانت في نظرهم بمثابة ضمانات، فيما كانت الزعامات الاسلامية تطالب بتعديلها انصافا للجميع لئلا يظل في لبنان من هم ابناء ست ومن هم ابناء جارية كما كان يقول بعضهم.
وعندما تحولت المخيمات الفلسطينية معسكرات وثكنا في لبنان وقام ما يشبه جيش فلسطين اعتبره زعماء مسلمون جيشهم بعدما وصفوا الجيش اللبناني بأنه "جيش الموارنة" وقعت حرب السنتين بين ميليشيات فلسطينية مدعومة من ميليشيات اسلامية وميليشيات مسيحية. ولم تنته الى غالب ومغلوب بل كان لبنان وحده المغلوب وتحولت حرب السنتين حروبا تداخلت فيها صراعات محلية مع صراعات عربية ودولية على الساحة اللبنانية، بحيث سميت "حروب الآخرين على ارض لبنان"، ولم تتوقف تلك الحرب الا بعد التوصل الى اتفاق سمي اتفاق الطائف الذي اعاد النظر في صلاحيات رئيس الجمهورية ونقل المهم منها الى مجلس الوزراء مجتمعا بحيث انتقلت السلطة الاجرائية من رئاسة الجمهورية الى هذا المجلس. فاعتبر المسلمون وتحديدا السنة انهم حصلوا على ما يريدون من خلال هذه التعديلات وباتوا يوصفون بـ"السنية السياسية" بعدما كان يوصف الموارنة عندما كانوا يتمتعون بصلاحيات واسعة بـ"المارونية السياسية".
والسؤال، المطروح على من يطالبون بتعديل دستور الطائف تارة بحجة تعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية وطورا بحجة تحقيق مزيد من التوازن بين السلطات وازالة الشوائب وتصويب بعض النصوص، ومعارضة اهل الطائف ذلك خوفا على اخذ صلاحيات من طائفة او مذهب واعطائها الى طائفة او مذهب آخر، هو التالي:
هل ان من يطالب بتعديل دستور الطائف من اجل اقامة "الجمهورية الثالثة" بنظام جديد لها ودستور جديد يجدون ان الظروف المحلية والاقليمية والدولية مؤاتية لتحقيق ذلك؟
ثمة من يقول انه جاء دور الطائفة الشيعية لتمارس ما مارسته الطوائف الاخرى سياسيا فتكون الحقبة المقبلة حقبة: "الشيعية السياسية" بعد حقبة "المارونية السياسية" و"السنية السياسية" بحيث ان الطائفة المارونية عندما كانت هي الاقوى كانت لها صلاحيات واسعة في الدستور، وعندما اصبحت الطائفة السنية هي الاقوى اخذت بعض هذه الصلاحيات في اتفاق الطائف، وبما ان الطائفة الشيعية تعتبر انها اصبحت الآن هي الاقوى عددا وعدة، فانها تحاول ان تأخذ لنفسها مزيدا من الصلاحيات بحجة تحقيق التوازن والانصاف بين السلطات الثلاث… في حين ان "المارونية السياسية" لم تكن الحاكمة انما كانت فرنسا ثم بريطانيا ثم اميركا، ولم تكن السنية السياسية هي الحاكمة انما كانت الوصاية السورية على لبنان، وقد لا تكون "الشيعية السياسية" هي الحاكمة اذا ما حصلت على مزيد من الصلاحيات انما دول اخرى قد تكون سوريا وايران حاليا، ولا احد يعرف من يكون مستقبلا ما دامت المنطقة تغلي وتبدو حبلى بالاحداث والتطورات.