زمن “التطابق” بين سوريا وإيران انتهى

دمشق وطهران تتزاحمان في العراق ولبنان وتختلفان حول المفاوضات مع إسرائيل والسرعة في التطبيع مع واشنطن
زمن "التطابق" بين سوريا وإيران انتهى

للمرة الاولى يصدر كلام سوري واقعي عن طبيعة العلاقات السورية الايرانية. يكتسب هذا الكلام أهمية خاصة وكبيرة، لأنه صادر عن الرئيس بشار الاسد أمام الاجتماع الدوري للجنة المركزية لـ"حزب البعث العربي الاشتراكي". في السابق لم يكن الحديث عن هذه العلاقات إلا في سياق التأكيد على "استراتيجيتها وتطابقها وتاريخيتها". لا أحد يشكك في هذا التأكيد، هذه العلاقات التي صاغها ونفذها الرئيس الراحل حافظ الأسد، وأكد عليها الرئيس بشار الاسد شكلت دائماً إدارة لتحالف حقيقي. الرئيس الراحل حافظ الاسد، جعل منها "جسراً" بين الضفتين الايرانية والعربية، وكان استثماره لها عظيماً من جميع الجوانب. الدليل ان طهران كانت دائماً بحاجة لها وله، والدول العربية المعنية كانت بدورها بحاجة له في مواجهة مسألة "تصدير الثورة" وإبقاء نار الحرب العراقية الايرانية في دائرة "بلاد الرافدين" فقط. أما ايران، فإنها وجدت في هذا التحالف عملية ناجحة لكسر "تعريب" الحرب، وإبقائها في اطار الجبهة المفتوحة عسكرياً مع العراق.

في "الاتحاد" قوة

الرئيس بشار الأسد "ورث" هذه العلاقة التاريخية والاستراتيجية مع إيران، في زمن مختلف وظروف مختلفة، وبالتالي تشكل قواعد جديدة فرضت صياغة سياسية مناسبة مع التغيرات والمتغيرات. الرئيس الأسد اختار توطيد هذه العلاقة، خصوصاً بعدما عُزل واستُبعد واشتدت حوله دائرة الحصار. قَبِلَ الأسد الابن المخاطرة والذهاب بهذه العلاقات إلى درجة التحالف المصيري في مواجهة واشنطن.

الآن يرى الرئيس السوري ان "بلاده تجني فوائد القرار الصائب في مواجهة الهجمة الشرسة…"، ثم يرى "ان الأميركيين تراجعوا عن سياسة الإملاء لصالح الحوار". بهذا المعنى فإنه يرى ان بلاده تعبر "مرحلة انتقالية" تقع بين "العزل والتطبيع". لذلك "لا يجب التفريط بالتفاؤل". هذا الوعي الكامل بأن المرحلة انتقالية تفرض صياغة علاقات أكثر واقعية مع عدم التفريط بها خصوصاً الحليف الكبير إيران. ما يعزز ذلك ان إيران تعيش مرحلة انتقالية لم تتبلور بعد باتجاه الحوار فالمفاوضات.

طوال العقود الثلاثة الماضية كان التوصيف الدارج للعلاقات الايرانية السورية، انها علاقات "زواج كاثوليكي" لا طلاق ولا رجعة فيه، ثم تطورت الأوضاع فجرى الحديث عن "زواج شرعي" وأخيراً وصل الأمر إلى الكلام عن "زواج متعة" المحدد زمنياً. في الحالتين الاولى والثانية، كان "التطابق" في المواقف "حاداً جداً"، حتى ولو وقعت بعض الاهتزازات فإنها كانت تبقى "مخفية" داخل "جدران البيت المشترك"..

انتخاب باراك اوباما رئيساً للولايات المتحدة الأميركية قبل عام تحديداً، وسقوط "البوشية" بكل مفاعيلها، وضع دمشق وطهران أمام تجربة جديدة. دمشق طولبت "بتحسين سلوكها بالأفعال وليس بالأقوال"، وطهران واجهت خياراً جديداً في ملفها النووي أنهى صيغة "القنبلة أو القنبلة" أي "الحرب مقابل حصولها على القنبلة النووية"، إلى الحوار. دمشق وطهران سلكتا مساراً جديداً، كل منهما على طريقته. لا شك ان الامتحان الكبير لدمشق في تأكيد حسن سلوكها كان في لبنان، وقد قامت بخطوات كثيرة بهذا الاتجاه بالتعاون مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي.

زمن "التطابق" انتهى بين دمشق وطهران. المرحلة الانتقالية تفرض هذا التحول. كل دولة تريد تقوية وضعها وأوراقها وحضورها في الملفات الساخنة، حتى يمكنها المطالبة بحصة لها تتناسب مع طموحاتها أو قدراتها. الملفات الساخنة المشتركة عديدة وهي تبدأ من: العلاقات مع واشنطن، فالنزاع العربي الإسرائيلي وصولاً إلى لبنان مروراً بالعراق. من كلام الأسد أمام اللجنة المركزية للبعث، يتوضح ان عدم التطابق يصل أحياناً إلى حالة من الخلاف والتباين القائمة على المنافسة والمزاحمة.

يعترف الاسد ان العلاقات مع واشنطن هي "أفضل من قبل". هذا التحوّل، جاء نتيجة رغبة حقيقية سورية متزاوجة مع جملة خطوات تنفيذية ناجحة. مسار التحول وصولاً إلى التطبيع المرغوب سورياً جداً، مستمر ومتواصل. في حين ان طهران لم تدخل هذه المرحلة الانتقالية، والعلاقات مع واشنطن لم تتطور بعد، مما يتطلب جهوداً مكثفة تتطلب إرادة سياسية واضحة ونهائية؟ ولذلك فإن "العربة" الإيرانية السورية في هذا الملف المحوري حيث على نتائجه ستبنى النتائج في باقي الملفات، تسير بسرعتين مختلفتين، قد ينتج عنها في مراحل قادمة نوع من المساءلة الحقيقية تتعلق بالاستعجال أو التباطؤ، وطبيعة الهدف المنشود.

سرعتان مختلفتان

النزاع العربي الإسرائيلي. دمشق كما يقول الأسد "جادّة في تحقيق السلام مع إسرائيل". بينما طهران لا تريد السماع بالتفاوض مع إسرائيل "الكيان السرطاني الذي يجب استئصاله". ما يرضي طهران حتى الآن طمأنة دمشق الدائمة لها، بأنها لا تتوقع أي نتيجة من التفاوض غير المباشر مع إسرائيل. لذلك فإنّ طهران مقتنعة بأن "قبر المفاوضات بلا ميت" أي بلا نتيجة. لكن ماذا لو حصل تطور ما في لحظة معينة وانتقلت المفاوضات غير المباشرة إلى مباشرة؟ ماذا يحصل بين طهران ودمشق وكيف سترد الاولى على هذا التطور والموقف؟ ما يعزز ذلك ان توجهاً إسرائيلياً يقوم حالياً على تحريك مسار المفاوضات مع دمشق بديلاً عن المسار الفلسطيني، وان تركيا حصلت على توكيل كامل من دمشق أولاً ومؤخراً من واشنطن وبالأمس من باريس (خلال زيارة وزير الخارجية التركي داوود اوغلو لها) بمتابعة وساطتها في وقت تصرّ فيه أنقرة وعلى لسان اوغلو نفسه "ان المفاوضات يجب أن تبدأ من حيث توقفت عند حرب "الرصاص المسكوب" ضد غزة".

العراق، حيث الرئيس الاسد يرى أنه "لا بد من دور للقوى الوطنية والقومية لتحقيق أهداف الشعب العراقي وإنجاز المصالحة الوطنية على أسس راسخة". هذا أوضح كلام سوري عن رؤية عراق الغد. دمشق تريد العراق الجديد موحداً وعربياً في انتمائه ولذلك تريد كما هو واضح لحزب البعث وباقي مكونات الأحزاب القومية (الناصرية) واليسارية دوراً أساسياً وحتى مركزياً فيه. بينما طهران وإن كانت لا تعلن ذلك علناً فإنها تفضّل عراقاً فدرالياً يمنح الشيعة دوراً مفصلياً ومركباً فيه، لأنها بذلك يمكنها الإمساك به وإدارته فعلياً كما كانت دمشق تدير لبنان قبل انسحابها. من الواضح هنا ان الخيارين السوري والإيراني نابعان من رؤية كل طرف لموقعه في عراق الغد بعد الانسحاب الأميركي. في هذا المجال، دمشق تعمل على "قضم" ما تراه إيران "موقعاً". من الطبيعي أن يكون ذلك غير مقبول، ولا بد أن ينتج عدم التطابق الحالي خلافاً مستقبلياً خصوصاً وأن للقرار الأميركي حتى في ظل الانسحاب العسكري دوراً مركزياً في صناعة خيارات المستقبل. ويبدو أن واشنطن تنحاز إلى الخيار السوري وتفضّله على الاختيار الايراني، خصوصاً وأن لها مصلحة أولى وهي إضعاف موقع إيران الاقليمي. وهذا التوجه يتم في العراق بالتوافق مع دمشق، فماذا سيحصل مستقبلاً وكيف سترد طهران على دمشق؟

لبنان. يقول الاسد "ان سوريا تدعم وحدة لبنان الوطنية وتحرص على سيادته واستقلاله". هذا تأكيد جديد على تغيير "السلوك السوري كما تريد واشنطن وباريس في لبنان". قد لا تكون طهران ضدّ هذا التوجه، لكن عملية تشكيل الحكومة اللبنانية أكدت وجود تباين حقيقي وعميق بين موقفي دمشق وطهران. أيضاً فإنّ وجود دمشق في "النسيج" اللبناني السياسي والاجتماعي، تاريخي وعميق وقد تعمّق أكثر خلال وجود القوات السورية في لبنان. بينما حضور إيران في لبنان محدود وأساساً داخل جزء من الطائفة الشيعية، وهو إذا كان موجوداً في بعض الزوايا السياسية فلأسباب تتعلق بدعم المقاومة من جهة والدعم المالي من جهة أخرى. لذلك فإنّ أي محاولة من طهران لنشر حضورها وتثبيته وتحويله إلى ثابت له موقع أساسي في الخريطة السياسية اللبنانية، يعني مشاركة دمشق العائدة بكل قوّتها إلى لبنان، وهذه المشاركة وإن كانت مقبولة في المرحلة الماضية فإنها تصبح حالياً ولاحقاً لزوم ما لا يلزم ومحاولة لقضم جزء أساسي من نفوذ دمشق. المعادلة واضحة: ما لا تقبله إيران من محاولة دمشق "قضم" حصة لها في العراق بعد صياغته صياغة مختلفة عن رؤيتها، فإنّ دمشق لا تقبل من طهران تحويل حاجتها إليها في مرحلة المقاومة إلى وجود يجب التعامل معه بكل ما يتعلق بالسياسة اللبنانية، كل ذلك طبعاً بعيداً عما يريده اللبنانيون وما يطمحون إليه.

في اللحظة التي تنتهي فيها المرحلة الانتقالية، وتبدأ فيها مرحلة "التطبيع" (بعيداً عن حالة الصدام إذا ما وقعت لأنها تفرض تثبيت التحالف إلى درجة الاندماج وليس التطابق) فإن زمناً جديداً سيبدأ من المؤكد انه لن يكون "الزواج" فيه سوى حالة لتدخل الذاكرة العميقة القادرة على "بلع" كل اللحظات مهما كانت غنية.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل