#adsense

بين الميثاق الوطني والتخريف الحزبي

حجم الخط

بين الميثاق الوطني والتخريف الحزبي

"سأكتم عن ذوي الجهل طاقتي
ولا أنشر الدر النفيس على الغنم"
الشافعي

التخريف والخرافة:
هناك عبارة شائعة يستعملها العموم في وصف من تخونه الذاكرة بـ"أرذل العمر" وهي التخريف، والواقع أن هذه العبارة هي أوسع من هذا التعريف فهي تعني تأليف الخرافة، أو (Fabrication)، وهي عملياً عرض أحداث متخيلة، تحاكي الواقع أو أجزاء منه في معظم الأحيان، وتؤلف الباقي على أساس انه جزء من الوقائع.

وهناك نوعان من التخريف أولهما غير مرضي وهو شائع لدى الأطفال المتأثرين بالحكايا والقصص السحرية أو الأفلام التي تدهش الخيال. أما النوع الثاني فهو التخريف المرضيّ حيث يبتكر المخرف تلقائياً روايات حقيقية ولكنه ينسبها الى نفسه (دون كيشوت مثلاً) ليسترعي الاهتمام أو ليستدر الاحاسيس من قبل السامعين. وقد أكدت دراسة العالم النفسي جان بياجيه أن التخريف جزء لا يتجزأ من عملية بناء الواقع لدى الأطفال تحت عمر سبع سنوات عندما يخترعون قصصاً لا يصدقونها حتى يتجنبوا التفكير، أو لانهم لا يعرفون الجواب أصلاً، أو لانهم متعلقون باعتقادات سابقة. أما التخريف لدى الراشدين فهو من العلامات الفارقة لعوارض "الهستيريا" والمصابين بهوس "الكذب المرضي" أو لدى الأشخاص المزهوين بأنفسهم الضعيفي الذكاء، ويكون التخريف عادة للتعويض عن دونية متاصلة ولإخفاق وجداني يمكنه أن يولد حالاً من الهذيان الانفعالي أو المتخيل.

ويعتبر المخرف الراشد نتاج خيالاته بأنها ذكريات صحيحة حسب جان دولي فيخدع نفسه ومن حوله، وهذه حالة شائعة في مرض "كورساكوف" الذهاني حيث تظهر فجوات في الذاكرة يتم ملؤها بتأليف قصص للمسامرة تظهر معها وقائع جديدة وأحداث خالية من المنطق وبعيدة عن الذكاء. وقد يكون أصل بعضها الشهادات الكاذبة أو وشايات وتصريحات مبنية على التخريف.

التخريفة الحزبية

ما لنا ولأحاديث علم النفس فموضوعنا اليوم هو تخريفة أتت على لسان أحد أعلام حزب كبير في المعارضة في معرض حديثه عن البيان الوزاري للحكومة القادمة. يقول صاحبنا: "إن اتفاق الطائف وفق البند المتعلق بإزالة الاحتلال الإسرائيلي تحدث عن المقاومة! وبالتالي فالمقاومة "أمر ميثاقي وليست أمراً يمكن تجاوزه لأن في ذلك انقلاباً على اتفاق الطائف!".

لست أدري كيف توصل صاحبنا الى هكذا استنتاج ولا حتى على أي نص من وثيقة الوفاق الوطني قد بنى ما قاله، فقد جاء في اتفاق الطائف في المقطع المعنون "تحرير لبنان":
-1 العمل على تنفيذ القرار 425.
-2 العودة الى اتفاقية الهدنة.
-3 اتخاذ كافة الإجراءات لتحرير الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي وبسط سيادة الدولة على جميع أراضيها ونشر الجيش اللبناني في منطقة الحدود اللبنانية المعترف بها دولياً والعمل على تدعيم قوات الطوارئ الدولية في الجنوب لتأمين الانسحاب الإسرائيلي وإتاحة الفرصة لعودة الامن والاستقرار في منطقة الحدود. وحسب ما فهمت فإن صاحبنا كان قد بنى هذه الفرضية على جملة "اتخاذ كافة الإجراءات لتحرير الأراضي اللبنانية" وهذا يعني انه بإمكان أصحاب المخيلة الخصبة فقط القدرة على استنتاج ما تم استنتاجه، مع العلم أن صاحبنا هو نفسه صاحب المخيلة التي استنتجت تعاون قوى 14 آذار مع العدو الإسرائيلي.

ولكن الواقع هو أن المقاومة بشكل عام، وفي حال الوقوع تحت الاحتلال أو تحت الظلم، لا تحتاج عادة الى دستور أو وثائق لأنها جزء من الحق الإنساني العام ضد الظلم والإكراه لأن مبدأ حرية الخيار هو أصل الحقوق الإنسانية، وتكون هذه المقاومة موجهة عادة ضد السلطة القائمة وعلى أرضها، أو أحياناً ضمن الأراضي المحيطة، وفي حالات أخرى في مناطق بعيدة حيث تمارس نوعاً من المقاومة السياسية. والأمثلة كثيرة في التاريخ من المقاومة الفرنسية ضد النازية والمقاومة الهندية بقيادة غاندي ضد البريطانيين والمقاومة الفيتنامية ضد الأميركيين ومن قبلهم الفرنسيون ومجموعات أميركا اللاتينية على مختلف اسمائها وأشكالها وغيرها من المجموعات.

ولكن وإن كانت المقاومة حقاً للشعوب فإن هذا الحق لا يعطيها القدرة على تخطي القوانين الدولية ولا استباحة سيادة أي دولة إلا في حال كانت تقاتل ضدها. يعني، بما أن حزب صاحبنا ليس في مواجهة مع الدولة اللبنانية فلا يحق له خرق سيادة هذه الدولة وتخطي قوانينها.

واقع الدستور:
فإذا كان صاحبنا ينسب تشريع المقاومة لفقرة غامضة في اتفاق الطائف، فان حزب صاحبنا بواقعه الحالي يشكل خرقاً فاضحاً للدستور في عدة بنود:

أولاً: المادة 49 التي تنص على أن "رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة".
ثانياً: في بند بسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية حيث يعلن عن "حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها الى الدولة اللبنانية خلال ستة اشهر تبدأ بعد التصديق على وثيقة الوفاق الوطني".

ثالثاً: في الفقرة التي تنص على ان "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك" وهي الفقرة الأهم لان استخدام السلاح للإخلال بالتوازن الوطني واستدراج باقي أطياف اللبنانيين الى التسلح لمواجهة خطر يضرب العيش المشترك. كما أن السلاح يعطل الدولة ويضرب المنطق الديموقراطي البرلماني الذي نص عليه الدستور.

واقع الحال:
بالمحصلة، فإنه بناء على ما سبق فلا داعي لصاحبنا أن يخترع تخريفة جديدة لينسب وجود حزبه بواقعه الحالي وشرعيته الى الدستور، فحزبه في واقعه الحالي قائم على الأمر الواقع وقد كرس وجوده من خلال قوة السلاح وليس من خلال شرعة القانون.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل