#adsense

ديموقراطيات الزمن الضائع

حجم الخط

ديموقراطيات الزمن الضائع 

هل بتنا نعيش، اليوم، في زمن ما بعد الديموقراطية؟ على غرار ما يقال في صيغة "ما بعد"؛ من مرحلة ما بعد الرأسمالية، أو ما بعد الاشتراكية، أو ما بعد الحداثة، أو ما بعد المسرح، أو السينما أو البنيوية، أو حتى التكفيكية "آخر النظريات في زمن اللانظريات"؟ هذا السؤال مطروح في الغرب في شكل جدي، وفكري وسياسي. وعندنا، في لبنان وعالمنا العربي كأنه بات مطروحاً من باب استحضار الأرواح، "أو الحنين الى ما فات"، أو تأبين ما قضى "بلا وطر".

وإن عدنا الى بعض التجارب المشهودة في هذه الممارسة العريقة كفرنسا، مثلاً، نجد أن السؤال يقترن بمجمل أوضاع اقتصادية، وتربوية وايديولوجية وسياسية في وقت كأنه محطة انتقالية يتهيأ فيها كل شيء الى المضي في وجهات شتى. وهل أن "الاستثناء" الفرنسي كما يحلو لبعض الفرنسيين ان يصفوا به الديموقراطية الفرنسية، ما زال استثنائياً في مثل الكلام على الديموقراطية، عندما بات يُشكّك كثير من المفكرين و"الفلاسفة" وأهل السلطة بوجود يسار أو حتى يمين، بالمفهوم الثنائي المتكامل للصراع الفكري. وتالياً هل يمكن مثلاً الكلام على قيام يمين بلا يسار. أو يسار بلا يمين. أو الاثنين بلا وسط. أو بلا تفرعات يسار متطرف. يمين متطرف. رواسب ايديولوجية طاغية: كالماوية من عهد الدكتاتوريات الأحادية أو تروتسكية من عهد الاشتراكيات العالمية أو قومية من عهد القوميات الشوفينية أو الطغيانية؟

ولو عدنا الى السجال الراهن في فرنسا مثلاً حول واقع اليمين واليسار نجد ان الديموقراطية متورطة به، باعتبار ان هناك من يقول إن اليسار لم يعد موجوداً على الأقل كما في السابق، أو تحديداً كما في أيام الحرب الأيديولوجية الباردة بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي. هذا النعي لم يعد موجهاً الى الحزب الشيوعي الفرنسي لأنه تراجع الى مستويات متدنية (2%) ولا حتى الى اليسار الماوي، أو التروتسكي وما بينهما، باعتبارهما تراجعا في الانتخابات الرئاسية الأخيرة بالتوازي مع "الجبهة الوطنية" (لوبان). وانما الى الحزب الاشتراكي نفسه الذي ضاع بين تأرجحه بين اشتراكية "ليبرالية" أي اقتصاد السوق والعولمة وحتى "الأمركة" وبين اشتراكية تاريخية ما زالت تعاند وسط كل هذه المتغيرات؛ بمعنى آخر اشتراكية فيها من "اليمين" اكثر مما فيها من اليسار وخصوصاً في المسائل النقابية والعمالية والاجتماعية والأوروبية عموماً. وهذا ما جعل الأوراق تختلط بين أفكار اليمين الساركوزي الذي اخذ من شعار اليسار ما أخذ، وكذلك من شعار الجبهة الوطنية.. فكأنما في هذه الخلطة ما يوحي الى حد كبير، ومع الانقسامات الجذرية داخل الحزب الاشتراكي، وكذلك داخل اليمين، وكأنما الصراع الفكري بات مموهاً وملتبساً بحيث يتعرى الواقع من الخلفية الثقافية والاجتماعية التي كانت في أساس الثورة الفرنسية نفسها.

هذه الظواهر التي باتت تتفاقم توازي في تفاقمها ازمة ديموقراطية عميقة يزيد من حدتها تراجع كبير في الاجتراح الفكري والفلسفي وحتى الفني والأدبي. فكأن كل ما صنع الديموقراطية مُهَدًَد. وكل ما طوّرها تحول عناصر مبددة من الصعب جمعها، او استرداد قيمها. فالديموقراطية قيم: والثورات قيم. والتكنولوجيا قيم (ايديولوجيا ببعض معانيها). وكأننا مسبوقون الى القول إنه عالم بلا ديموقراطية مركبة هو عالم بلا أفكار. أو حتى عالم بلا مجتمعات متعددة (بالمعنى السياسي)، أو بلا تعددية مدنية جماعية تكون فيها الفردية نواة اساسية. بالطبع هناك من يأبى الاعتراف بهذا الواقع المتردي لليسار وخصوصاً للحزب الاشتراكي مصراً على ان هذا الأخير وهو "دينامو" اليسار ما زال محملاً بالأفكار وما زالت شرائح من المجتمع منخرطة فيها وملتزمة اياها. (كمثل جان دانيال في لانوفيل اوبسرفاتور) كرد على "مقولات "الفيلسوف" المهرج صنيعة الميديا بيار هنري ليفي، وحتى زميله كلوغسمان وهما على نقيض ما يفكره تودوروف مثلاً. هذا الحراك هل ما زال شاغلاً للناس فعلاً، وللمناضلين في المجتمع وأدواته؟ انه سؤال الديموقراطية باعتبارها تحتاج الى "مضمون" مفتوح حاجتها الى براغماتية تسووية، بحيث تصبح الافكار لزوم ما لا يلزم.. وكذلك الأحزاب والنقابات لينتفي اي تجدد فاعل في الفكر السياسي: انه الكساد؟ ربما! هل هو الانحطاط في ظل عولمة تعيش ازماتها العضوية ؟ وهنا نتذكر احداث أيار 1968 الطالبية، وكأنها كانت آخر محطة "ثورية" فكرية (شعرية) في فرنسا: أو آخر العنقود في سلسلة ما تعاقب من اتجاهات فلسفية ونقدية وايديولوجية وتغييرية. بل كأن هذه "الثورة" الأخيرة كانت اشارة الى نهاية ثورات القرن العشرين، وهي من نواتئها وتجلياتها: من الشيوعية الى اليسار الجديد والتروتسكية وحتى السوريالية وجمهورية المخيلات الجامحة أو العنف الثوري، أو العنف السلمي أو العنف المادي… وحتى المسلح. وعندما نقول كأن "ايار 1968" كانت نهاية الثورات فلأنها ترافقت مع بداية اهتزاز الشيوعية الرسمية ازاء طروحات تمس مكوناتها الاساسية من رفض "دكتاتورية البروليتاريا" الى رفض مركزية الحزب الواحد، الى رفض المرجعية السوفياتية التي تذكر بثورة ماو، وكأنها كانت توسيعاً دموياً للثورة البولشفية ومحطة مقلوبة للتغيير الثوري والاجتماعي، والاقتصادي من دون ان ننسى تداعيات كل ذلك على ظهور ثورات أخرى… اذاً، ومع اشتداد بعض الظواهر الايديولوجية التاريخية، كان ثمة شعور عند كثيرين، بأن هذه الظواهر تحمل بذور تفجرها ونهاياتها… وصولاً الى اليوم الذي يبدو وكأن كل هذه التحولات والخيبات والكوارث ليست اكثر من نتيجة لاستنفاد "المخزون" التغييري "الثوري" الذي راح يستلع ويفرغ في حركات عنيفة وشلل وفرق ذات مناحٍ "اصولية" (ايديولوجية) . هذه التعاقبات المقرونة باحداث كبرى توجت بسقوط جدار برلين قبل عشرين عاماً… وانهيار الاتحاد السوفياتي.. ومنظومة الاشتراكية وانكسار الشيوعية في اوروبا وأميركا اللاتينية.. وعندنا في العالم العربي واعلان انتصار "الرأسمالية"… و"نهاية التاريخ" وصولاً الى "صراع الحضارات… لنعود الى دحض فكرة نهاية التاريخ.. ومواجهة فكرة صراع الحضارات.. وهزيمة الرأسمالية والكلام على بداية سقوط الامبراطورية الأميركية، لا سيما في سقوط البرجين… والأزمة الاقتصادية الأخيرة: كأنما انقلاب مسرحي حافل بالفجاءات.

اذاً، من الطبيعي ان تعيش الديموقراطيات الغربية، واليمين واليسار والوسط أزمات كبرى، تجاه تصاعد صراع الاثنيات والعنصرية والأديان والطوائف والقوميات. وكأنما ما كان غافياً تحت قشرة "حضارية" ركيكة طفا فجأة وها هو يتمظهر في حروب الأصولية والتطرف والتعصب سواء في اميركا (اليمين الجديد الذي تهاوى ايضاً بانتصار اوباما) أو في اوروبا (عودة ظواهر نازية وفاشية ومسيحية)، في مواجهة حركات اسلامية خارج ما تحقق في القرون الماضية من ديموقراطيات غربية ومن عادات ومن أفكار ومن تفاسير وتعددية خصوصاً عندما عينت الولايات المتحدة عبر اصولييها المسيحيين المتهودين، الاسلام عدواً بديلاً من الاتحاد السوفياتي وهنا تسأل في خضم هذه المنقلبات: اين صارت الديموقراطية وانجازاتها . والرأسمالية وانجازاتها. والتنويرية وانجازاتها. والنخبوية وانجازاتها. والحرية وانجازاتها. والعولمة واحاديتها، والايديولوجيات والفنون. فكأن كل شيء بات على حافة هاوية. اليوم. كأنه الزمن "الكارثي" يلوح… أو ربما الزمن الكارثي الذي بدا يستنفد طاقته. لكن اذا كانت الاصوليات طلعت من أرحام "الحداثة" كما طلعت الفاشيات من أرحام الديموقراطية (النازية والصهيونية) فما الذي سيطلع اليوم، عندما يبدو العالم بلا بدائل وبلا استعارات كتلك التي شهدناها على امتداد التاريخ. خصوصاً عندما صار ما كان رمزاً للحرية، رمزاً للعبودية، وما كان رمزاً للديموقراطية رمزاً للاستعمار، وما كان رمزاً للتنوير رمزاً للظلامية، وما كان رمزاً للتغيير صار رمزاً للتقوقع، وما كان رمزاً للانفتاح صار رمزاًَ للانغلاق، وما كان رمزاً للعالمية (بالمعنى التبادلي) صار رمزاً للعولمة، وما كان رمزاً للاختيار صار رمزاً للفرض والعسف. وما كان رمزاً لتماسك المجتمعات المتنوعة صار رمزاً لمجتمعات غيتوية وما كان رمزاً لسقوط الجدران بين الشعوب (جدار برلين) صار رمزاً لجدران تطلع في كل الأمكنة، بحيث يصح القول وكأننا بتنا نعيش "زمن الجدران" والأسوار الصينية… المتجددة: وأول هذه الجدران ما بناه الكيان الصهيوني بين فلسطين المحتلة ومناطق السلطة وجدران الجوع وجدران الشمال والجنوب وجدران الخراب البيئي وجدران الكراهية وجدران الرأسمالية المتوحشة وجدران الدكتاتوريات الاقتصادية وجدران الصراعات الاثنية والعنصرية… انها جدران ترتفع لتفصل وتضاعف الازمات وظواهر الانفصال والظلم والجنون. فكأن عالم ما بعد الرأسمالية وما بعد الديموقراطية وما بعد التنويرية، عالم الجنون الجامح، سواء بدا بلا مرجعية هنا أو بمرجعيات مقنعة هناك. وعندما يكون لنا ان نتأمل هذه الأعراض بالتزامن بين الخلفيات الثقافية الأساسية وتراجع الاجتراحات وتدوير الزوايا النقدية وهي من حصيلة ما خلفته العولة، ومجتمعات الفرجة والميديا المتهالكة والمناحي الاستهلاكية وخروج المثقف من دائرة الاحتجاج (الى دائرة الاستكانة والترويج والتماهي بما يجعله بلا دور ضمن هذه المؤسسات المعولمة، والمستلبة النوازع الفكرية والتغييرية وهيمنة التسليع حتى على المواد الابداعية التي تتبدى في المنتوجات التلفزيونية وفي انواع البست سيلرز، والهواجس المعلبة والابداعات الجاهزة، و"الحكمة" القاتلة عند كثير من الاحتجاجيين، كل هذا يجعل من الديموقراطية كفضاء متسع للتعدد وللصراع والتنافس، في خلفية المشهد، لكي لا نقول خارج المشهد الراهن. ويمكن القول في هذا المجال، ان الاتجاهات الكبرى التي كانت تحدث تحولات في انماط السلوك والنصوص والافكار، باتت مفردات يتيمة، أو مجرد اعشاب تنمو على حافة الأرصفة او أو في باطن الصخور. بحيث يمكن القول إنه لم يبق من هذه النوازع التغييرية سوى شذر، لندرك انها باتت ايضاً من نصيب الظواهر اللاعقلانية، واللاديموقراطية والظلامية المغلقة والجغرافيات المضروبة بتسونامي التخلف والقبول والاستهلاك: موجات الاستهلاك السريع حلت محل التوجهات الجذرية؛ وموجات الطفيليات تسود المبتكرات… مما جعل الديموقراطيات الغربية نفسها، جزءاً من هذه المركبات والعروض والمقاسات المعلبة. اي ديموقراطيات فقدت مضامينها وافرغت خزائنها وابتلعت اصواتها وسلمت رؤوسها لمقاصل السوق والاعلان والترويج والسذاجة واللاتفكير.

على هذا الاساس يمكن تصور الديموقراطية اليوم، وكأنها مجرد امرأة عجوز لم يبق من ملامحها سوى المساحيق والتلاوين وتذكارات الحضور.. بل كأن الديموقراطية التي كانت المحرك الأول لكل الحركات، باتت إما ذريعة لفظية لمن ينقضها، أو سلعة لمن يستخدمها او ذكرى لمن يستحضرها…
وعليه، نقول إننا اليوم نعيش حضارة سائبة تعرت من منظوماتها وقيمها بحيث تحول التاريخ الى حكاية، والإرث الى فولكلور، والانجازات الى سياحة والقيم الى مضاربات السوق.. فكيف يمكن ان تستقيم ديموقراطية بات مخزونها الشعبي أو الجماهيري او النخبوي مجرداً من آلياته الفكرية والنقدية والاحتجاجية، وحتى مبدأ التساؤل والقلق.
عالم مخيف هو عالم فارغ إلاّ من قشوره.

عالم مخيف ما بعد الديموقراطية، وما بعد المجتمع المدني، وما بعد الأحزاب وما بعد الأفكار وما بعد القيم!
هذا هو العالم الذي صنع الحضارة الحديثة بات بلا حضارة وبلا حداثة. فما عسانا نقول عن عالمنا العربي؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل