هل يبدأ مخاض البيان الوزاري بعد انتهاء معركة التأليف؟
تنفيذ القرار 1701 كاملاً يحلّ مشكلة السلاح خارج الشرعية
اذا كانت معركة تشكيل حكومة وحدة وطنية، وانْ بالاسم، انتهت بعد خمسة اشهر من الجد والتعب والمخاض العسير وبلا غالب ومغلوب، فهل تبدأ معركة وضع البيان الوزاري وما ينبغي ان يتضمنه من تسويات وإن غامضة توفّق بين وجهات نظر الاكثرية والاقلية داخل الحكومة وخارجها، فلا يكون "سلاح حزب الله" عقدة البيان كما كان توزير جبران باسيل عقدة العقد في التأليف؟
الواقع انه لا يصح القول ان الحكومة هي حكومة وحدة وطنية، بل هي حكومة ائتلاف جمعت التسويات اعضاءها في اختيار الاسماء والحقائب، ولا بد من ان يكون بيانها بيان تسوية ايضا خصوصا في المواضيع الاساسية وفي مقدمها سلاح المقاومة، وهو الموضوع الذي اثار اختلافا في الآراء بين وزراء الاكثرية ووزراء الاقلية في حكومة الرئيس السنيورة، الى ان انتهى هذا الاختلاف بالاتفاق على صيغة العبارة الآتية: "حق لبنان بشعبه وجيشه ومقاومته في تحرير او استرجاع مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من قرية الغجر المحتلة والدفاع عن لبنان في مواجهة اي اعتداء والتمسك بحقه في مياهه وذلك بكل الوسائل المشروعة والمتاحة". وقد ظل بعض الوزراء على تحفظهم عن هذا النص وطلبوا اضافة عبارة "في كنف الدولة" اليها.
يقول وزير الاعلام طارق متري شارحا التوصل الى هذه الصيغة حول بند المقاومة، في حديث له على اثر ذلك: "كانت هناك صيغ عدة، فالاخوان في "حزب الله" قدموا صيغة قريبة من البيان السابق وكانت هناك ثلاث صيغ اخرى وناقشنا كل هذه الصيغ وكنا نعدل في هذه او تلك، الى ان توصلنا الى ضرورة التمييز بين "حق تحرير الارض بكل الوسائل المتاحة والمشروعة" وممارسة هذا الحق.
بمعنى ان هذا الحق هو للبنان والواسطة هي المقاومة. وعندما توصلنا الى هذا التمييز سهل الامر، خصوصا اننا كنا متفقين على القرار 1701 بكل مندرجاته وتاليا كانت عناصر الاتفاق موجودة لكن كان هناك تشديد من البعض على مرجعية الدولة، وجرى نقاش. ومن لم يقبل بعبارة في "كنف الدولة" قبل بعبارة وحدة الدولة ومرجعيتها بوصفها ناظما لتوجهات الحكومة وقراراتها ووضعت في مقدمة البيان الوزاري. واقتصر الخلاف على مكان وضع عبارة "مرجعية الدولة" وعندما وضعت في الفقرة السابعة من المقدمة تم التوافق. والتحفظ كان عن عبارة "في كنف الدولة" فقط وليس على البيان، وقد سجل هذا التحفظ في المحضر وصدر البيان، بالاجماع. وتنص الفقرة السابعة في مقدمة البيان على: "ان الحكومة تؤكد تمسكها بمبدأ وحدة الدولة ومرجعيتها في كل القضايا المتعلقة بالسياسة العامة للبلاد، بما يضمن الحفاظ على لبنان وصون سيادته الوطنية ناظما لتوجهاتها وقراراتها والتزاماتها، وهو المبدأ الذي يحكم كل فقرات البيان الوزاري".
والسؤال المطروح الآن هو: هل يعاد وضع هذه الصيغة حول سلاح المقاومة في البيان الوزاري للحكومة الجديدة، ام ان اسباب تحفظ من تحفظوا من الوزراء في الحكومة السابقة لا تزال قائمة وتجعل وزراء في الحكومة الجديدة لا يكررون تحفظهم بل يعارضون مجرد اعطاء المقاومة حق تحرير الارض مع شعبه وجيشه بل وجوب حصر هذا الحق بالدولة اللبنانية فقط؟
ثمة من يقترح احالة موضوع "سلاح حزب الله" على الحوار الداخلي سواء في مجلس الوزراء او حول طاولة حوار اذا ما تقررت العودة اليها او الى لجنة سياسية – عسكرية يتم تشكيلها للبحث في وضع صيغة مشروع لاستراتيجية دفاعية يكون للجيش وللمقاومة دور فيها تحدده هذه الاستراتيجية، او ان يتخذ قرار يربط استخدام هذا السلاح بالسلطة.
وثمة من يقترح الاكتفاء باعلان الحكومة التزامها تنفيذ القرار 1701 تنفيذا دقيقا كاملاً على ان يلتزم كل الاطراف المعنيين ذلك وتحديدا اسرائيل وسوريا، بحيث يصير منع ادخال السلاح الى لبنان من اي جهة بدون موافقة الحكومة اللبنانية، وذلك بضبط الحدود البرية والبحرية والجوية فلا تظل اسرائيل تتذرع بدخول هذا السلاح لتخرق اجواءه بطائراتها الحربية بحجة المراقبة، فاذا ما صار التزام ذلك فانه يكون قد تم تنفيذ البند 3 من القرار 1701 ونصه: "يؤكد (مجلس الامن) اهمية بسط سيطرة حكومة لبنان على جميع الاراضي اللبنانية وفق احكام القرار 1559 والقرار 1680 والاحكام ذات الصلة من اتفاق الطائف، وان تمارس كامل سيادتها حتى لا تكون هناك اي اسلحة بدون موافقة حكومة لبنان ولا سلطة غير سلطتها"، كذلك تنفيذ الفقرة من البند 8 في القرار 1701 وهي "نزع سلاح كل الجماعات المسلحة في لبنان حتى لا تكون هناك اي اسلحة او سلطة في لبنان عدا ما يخص الدولة اللبنانية عملا بما قرره مجلس الوزراء اللبناني في تاريخ 27 تموز 2006 ومنع مبيعات او امدادات الاسلحة والمعدات ذات الصلة الى لبنان عدا ما تأذن به حكومته".
ولا بد، تسهيلا لتنفيذ القرار 1701، من اقناع اسرائيل بالانسحاب من مزارع شبعا ووضعها موقتا في عهدة الامم المتحدة كي يصير في الامكان ترسيم الحدود الدولية للبنان ولاسيما مناطق الحدود المتنازع عليها او غير المؤكدة، ولا يبقى احتلال اسرائيل هذه المزارع ذريعة تحول دون ترسيم حدودها والانسحاب ايضا من الجزء اللبناني من قرية الغجر.
ويقول مسؤول سابق ان حكومة الوحدة الوطنية، تستحق فعلا لا قولا حمل هذه الصفة وتكون قد حققت انجازا مهما اذا توصلت الى تنفيذ القرار 1701 كاملا بالتعاون مع كل الاطراف المعنيين وكذلك تنفيذ قرارات الحوار الوطني التي صدرت بالاجماع ومن اهمها ازالة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وضبطه داخلها، بحيث لا يظل تحسن العلاقات اللبنانية – السورية مقتصرا على تبادل التمثيل الديبلوماسي بين البلدين، ويبقى تمثيلا شكليا ومن دون مضمون. فاذا توصلت الحكومة الى تنفيذ كل ذلك فانها تكون فعلا حكومة وحدة وطنية وقامت بانجازات مهمة عززت بها هذه الوحدة، وتصبح الاختلافات في وجهات النظر حول امور اخرى سياسية وامنية واقتصادية وان تكن ذات اهمية قد لا تؤثر على هذه الوحدة، مثل الخصخصة، والاصلاحات الادارية والسياسية والمالية والتعيينات ومكافحة الفساد وكيفية اطفاء الدين العام وتحقيق التوازن في الانماء بين المناطق، وتوزيع وظائف الفئة الاولى مناصفة بين المذاهب والطوائف كي لا يشعر احد بالغبن وبت مصير المشاريع التي اعتبرت صادرة عن حكومة غير ميثاقية. فالمهم هو قيام الدولة القوية القادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كل اراضيها، فلا يكون سلاح غير سلاحها ولا سلطة غير سلطتها، ولا قانون غير قانونها، كي تستطيع مواجهة التحديات وتداعيات صدور القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، وهذا لا يتحقق الا بتنفيذ القرار 1701 تنفيذا دقيقا كاملا، فلا يكون مصيره كمصير القرارات الدولية السابقة، بحيث تتعاقب الحكومات ولا يتم تنفيذه كاملا كما تعاقبت على تنفيذ اتفاق الطائف ولكن ظل تنفيذه غير كامل لان الخلافات حولتها حكومات تصريف اعمال، فهل تصبح الحكومة الجديدة كذلك؟!