#adsense

بالصبر، والصمت والصمود

حجم الخط

بالصبر، والصمت والصمود

أن يزور الرئيس سعد الحريري ضريح والده الشهيد بُعيد إعلان ولادة حكومته الأولى أمر متوقع، تماماً كما انحناءته ليعاهده على مواصلة تحقيق حلمه في عصرنة الدولة اللبنانية ووحدة أبنائها، وتعزيز مواطنيتهم، وكذلك العمل لتعزيز عروبة الاعتدال والتكامل.
فلقد اعتاد اللبنانيون أن يروا سعد الحريري منحنياً أمام ضريح الرئيس رفيق الحريري، كلما تحققت خطوة في درب المسيرة التي أرادها الشهيد، أو شيدت لبنة في الدرب الى الحقيقة في حدث اغتياله.

لكن انحناءة رئيس الحكومة الجديد أمام الضريح هذه المرة انطوت على إقرار منه بأن نهج والده في الصبر والصمت والصمود هو ما يفتت العقبات، ويذلل الصعاب. وهو أتقنه "وتفنّن" في اعتماده، حتى بات صنعته، وحين حان القطاف لم يتأخر.

فجأة فتحت المعابر، وصارت سالكة وآمنة أمام ولادة الحكومة. وبنور شقه الله في الصدور، صار المستحيل ممكناً، واتسعت العقول للنصائح. وإذا كان القول المأثور "ان ضاقت بكم الصدور عليكم بزيارة القبور"، فإن الوقائع تقول إن تقديم التعازي يتيح أحياناً اتساع الصدور.
إذاً، طويت صفحة التشكيل، وما سبقها ورافقها، وفتحت صفحة يريدها الجنرال "لعلاقات لبنانية – لبنانية جديدة بالرغم من كل معطيات الماضي، سيئة كانت أم حسنة".

ومن اليوم، وحتى منذ مساء أمس، ولفترة تحدد نهايتها لاحقاً، وفق التوقيت الاقليمي ـ الدولي المناسب، لن يخرق آذان اللبنانيين من الكلام السياسي سوى ما تكلله المحبة ويقتضيه التسامح. وسيسجل لسعد الحريري أنه بادر إلى فتح هذه الصفحة غداة الانتخابات النيابية، لكن الآخرين تلكأوا في قراءتها أكثر من خمسة أشهر بين 7 حزيران يوم الانتخابات و7 تشرين الثاني يوم هبوط الوحي.

لكن التفاؤل لا يبدو بلا سقف. فالتباشير تقول منذ امس، "ان وسائل اعلام الأقلية ستدأب على شن حملات "ناعمة" على حقائب الأكثرية، لا سيما تلك التي يتولاها مسيحيو 14 آذار، بهدف تكريس عنوان لم تؤكده ولادة الحكومة مفاده أن الجنرال وحده يحمي "حقوق المسيحيين"، علماً أن هذه لا يحميها سوى ما يحمي حقوق كل اللبنانيين. إنها الدولة. وما قد يسمح باستمرار السجال الطائفي، ليس إلا من لا يريد هذه الدولة.

مع ذلك، ستستمر المساجلة، ويركز الضوء عليها، فيما ستحاول الأقلية النيابية تخفيف أهمية أي نقاش آخر ولو كان بند سلاح المقاومة و"حزب الله" في بيان مجلس الوزراء، التي أطلقت معركته حتى قبل ولادة الحكومة، علماً بأنه نقاش شأنه مهم ورئيسي في مستقبل لبنان.

يعترف اللبنانيون جميعاً بفضل المقاومة المسلحة ودورها الحاسم في تحرير الأرض، وذلك شأن بديهي. لكن سؤال المقاومة اليوم بعدما تحرر معظم الأرض، لا يقف عند كيف نحرر الأرض، بل يتعداه إلى سؤال كيف نمنع الاحتلال من ان يجرب حظه في الاحتلال مرة أخرى؟.

ثمة وجهة نظر في البلد تقول ان احتفاظ المقاومة بجهوزها للرد على اي عدوان هو الوسيلة الأنجع لمنع العدو من المحاولة. وهذا صحيح جزئياً، وليس كليا، لأن المقاومة اليوم لا تقف عند هذا الحد، بل تتعداه إلى محاولة النهوض باقتصاد البلد واجتماعه واستعادة صلته بالمعاصرة والعالم بوصف هذه المحاولة مرغوبة ومطلوبة وضرورية لتحصين لبنان من اي اعتداء جديد.

والرد على العدو لم يكن مرة بالسلاح وحده، بل ايضاً بتقديم الإثبات للعالم أجمع ان من حق هذا البلد وأهله العيش باطمئنان وسلام.
على هذا، لا يستقيم حديث المقاومة اليوم من دون البحث الجدي في دور لبنان في المنطقة والعالم، واعادة وصله بالعصر من اوسع الأبواب، سواء تعلق الأمر بنمط الحياة الحديث الذي لطالما كان من ميزات لبنان التاريخية، او بإعادة ترميم الدور الاقتصادي، سياحة وخدمات، وابداعاً واختراعاً، وصناعة وتجارة وزراعة.

وهذه كلها ليست تحصيلاً حاصلاً، فليس ثمة دولة في العالم تفترض ان ازدهارها تحصيل حاصل، وان ذكاء ابنائها ومواطنيها كفيل وحده بإنقاذ البلد من الأخطار.
سعد رفيق الحريري تخطّى أمس الصعب، وغدا سيبدأ مواجهة الصعوبات، لكنه، وقد امتهن الصبر والصمت والصمود، لن يكون مستحيلا عليه النجاح بالوطن وللوطن.

المصدر:
النهار

خبر عاجل