تثبيت مرجعية الانتخابات النيابية مهمّة دائمة للحركة الاستقلالية على اختلاف مستوياتها
المكسب البديهي الأساسي: زعيم الأغلبية رئيساً للوزراء
بعد كل حدث – والسير في تشكيل الحكومة ثم تشكيلها حدثان – تبرز أصوات تمنّي النفس بأنّها حقّقت إنتصارات، علّها بذلك تمدّد فترة التعطيل إلى 135 يوماً، بعد إنتخابات نيابية واضحة النتائج. يأتي ذلك على الرّغم من أنّ بعض المحتفلين بإنتصاراتهم المسوّغة لتمدّد فترة التعطيل كل هذا الوقت نالوا بالكاد النوعيّة ذاتها ممّا كان معروضاً عليهم في التشكيلة الأولى في نهاية محاولة التأليف الأولى.
ويأتي ذلك على الرّغم من أنّ الإنتصار المركزيّ حقّقه سعد الحريري كرئيس وزراء يمثّل خطّ الأكثريّة البرلمانيّة، أي ان رئاسته للحكومة تمثّل واقعة انتصار إنتخابيّ، وواقعة إنتصار على النهج الذي حاول، بالعسف حيناً وبالجور حيناً آخر ثم بالقتل العمد، إبعاد "الظاهرة الحريريّة" عن مقام رئاسة الوزارة. ذلك هو معنى إنتصار يعكس أربع سنوات من العمل النضاليّ للحركة الإستقلاليّة ويفرض مجدّداً ضرورات تكيّف وإستعدادات جديدة للحركة الإستقلاليّة كي يكون بمستطاعها أن تواكب نظريّاً وعمليّاً، سياسيّاً وشعبيّاً، مستلزمات المرحلة القادمة، وتعقيداتها الداخليّة والإقليميّة.
لا يعني ذلك أبداً أنّ الحكومة منبثقة من نتائج الإنتخابات، بقدر ما يعنيه ذلك بأن نتائج الإنتخابات خاضت في الأيّام السابقة وستخوض في الشهور والأعوام المقبلة صراعاً متعدّد الأوجه والمستويات مع محاولة الإلتفاف على هذه النتائج أو تعليقها أو تمييعها، وأنّ نتائج الإنتخابات ما زالت تشكّل المرجعيّة سواء بالنسبة إلى العمل الحكوميّ، أو لكامل العمل المؤسّسي، ما دام زعيم الأكثريّة البرلمانيّة هو نفسه رئيس الوزراء، وهذا مكسب مهمّ جدّاً للحركة الإستقلاليّة لا يجوز لأي من أطرافها التغافل عنه، بل ينبغي الإنطلاق منه والإلتفاف حوله.
والآن فمن الضروري إعادة التقاط هذه الواقعة المركزيّة والبناء عليها: أن يكون زعيم الأكثرية رئيساً للوزراء فليس ذلك بتفصيل، بل يشكّل ذلك المدخل الملزم لقراءة سائر المشهد الحكومي.
لأجل ذلك ينبغي للحركة الإستقلالية أن تضع تحصين هذا المكسب على رأس أولويّاتها في المرحلة المقبلة، وأن تتقن في الوقت نفسه فنّ "تقسيم العمل" بين الإطار الحكوميّ للحركة الإستقلاليّة وبين إطارها غير الحكوميّ. ونزيد فنقول إن أشياء كثيرة تتوقف على حسن إتقان فنّ "تقسيم العمل" هذا، وهو فنّ يتجاوز مسألة "توزيع الأدوار" وخلافه، إلى ما هو "تمييز للإختصاص". الحركة الإستقلاليّة واحدة، بشقّيها الحكوميّ والبرلمانيّ، ما دام رئيس الأغلبية هو رئيس الوزراء، وهي واحدة بشقّيها المؤسّساتي والشعبيّ، ما دامت الأغلبية البرلمانية هي الغالبية الشعبية الحقيقية، إلا أنّ المهام تتميّز في كل واحدة من هذه المستويات، ومن الضروري تكريس وترجمة هذا التمايز في المهام حيال الملفات الأساسيّة، وفي مقدّمتها ملف "السلاح" الذي إن لم يُطرَح طَرَحَ نفسه.
وإذا كان البعض لا يزالون يلهون أنفسهم وجمهورهم بحديث الإنتصارات في معركة الـ 135 يوماً، فمن حقّ الأكثريّة أن تنظر إلى الأمر بشكل مختلف: لقد حرمت 135 يوماً من الإحتفال بإنتصارها الإنتخابيّ، والآن ينبغي أن تحصّن أوّل تكريس لهذا الإنتصار بصيرورة زعيم الأغلبية رئيساً لمجلس الوزراء.
وأوّل التحصين يكون بالدفع نحو إعادة الإعتبار للسياسة على حساب القوة والعضلات. صحيح أنّ الميزان السياسي لا يفقه إلا حسابات الربح والخسارة، سواء الربح والخسارة عند النزاع أو الربح والخسارة عند التسوية، إلا أنّ هذه الحسابات لا يمكن أن تختزل إلى تناسب القوّة العضليّة أو المسلّحة. ما يتحدّث عنه البعض من إنتصارات يبرّر بها أمد التعطيل هو في الحقيقة تثبيت لـ"أمر واقع أمنيّ"، لكنّ ما يسحب الإنتصار هذا، هو أنّ هناك "واقعاً سياسيّاً" يحاول تثبيت نفسه هو الآخر، على أساس مرجعيّة الإنتخابات الأخيرة ونتائجها، والمرحلة حتى إشعار آخر هي للتعايش بين الواقع السياسي وبين الأمر الواقع الأمنيّ، وأهمّ ما تحقّق في الأيام الـ 135 الماضية كانت محاولة التأسيس لتخاطب بديل في الطبقة السياسيّة من شأنه إذا ما تعزّز وأمسى تقليداً أن يستقلّ أكثر فأكثر بالسياسة عن مركّب الحناجر والعضلات.