الفرصة الأخيرة
أما وصار للبنان حكومة الوفاق الوطني، كما وصفها رئيسها بعد معاناة ما يقارب الأشهر الخمسة، حبس فيها اللبنانيون انفاسهم، وسط الكوابيس والهواجس من انفراط العقد الاجتماعي ومعه الصيغة الفريدة في العالم، وبعدما جاءت الصيغة الحكومية، تعكس طبيعة أزمة النظام بشكل فاقع وفج يستولد مزيداً من هواجس اللبنانيين مما هو آت في ظل حكومة متناقضة، لا يوجد بينها أي جامع مشترك بات السؤال المطروح عند كل اللبنانيين هو نفس السؤال الذي طرحه رئيسها في أوّل رسالة وجهها الى اللبنانيين بعد الولادة المتعثرة <إما أن تكون فرصة لبنان لتجديد الثقة بالدولة ومؤسساتها، فتقدم من خلالها نموذجاً متقدماً لنجاح مفهوم الوفاق الوطني في إدارة شؤون البلاد، وإما أن تتحول إلى محطة يُكرّر اللبنانيون من خلالها فشلهم في تحقيق الوفاق>.
صحيح إنها حكومة الفرصة الأخيرة، بعد أزمة خطيرة، قسّمت الشعب اللبناني إلى فسطاسين، لكل منهما مشروعه، النافي للآخر، أحدهما الانتماء إلى الدولة والثقة بها كحاضن لجميع مكونات الشعب اللبناني وحام لمصالحه وحقوقه في ظل احترام مؤسساتها ودعمها، وتطوير نظامها، وثانيهما مناف أو رافض لهذا المفهوم، وهذا واقع ما زال اللبنانيون يعيشون فصوله منذ الرابع عشر من شباط عام 2005، ولم تنجح تلك الفرصة التي منحها اتفاق الدوحة في ردم الهوة بين الفريقين، وجاءت تجربة الحكومة السابقة لتكرّس هذا الواقع المأساوي بدلاً من أن تردم الهوة، وتُعيد الفريقين إلى حضن الدولة ومشروع الدولة او العبور اليها كما جاء في أدبيات قوى الرابع عشر من آذار.
واليوم، هل يوحّد قيام الحكومة التي يقال انها حكومة الوفاق الوطني، الفريقين حول مشروع الدولة، وتجديد الثقة بها وبمؤسساتها أم أن اللبنانيين سيكونون امام فصل جديد من الصراع والنزاع بين المشروعين المتناقضين.
الصيغة الحكومية كما ولدت وإن كانت تحت عنوان الوفاق الوطني، لا تشجع على أن لبنان اجتاز خطر الانقسام، وربما لهذا الاعتبار، وحده وضع رئيس الحكومة الجميع على محك الاختبار حتى لا يتحوّل النجاح في تشكيل الحكومة إلى محطة يكرر اللبنانيون من خلالها فشلهم في تحقيق الوفاق، وتضيع الفرصة الأخيرة على الجميع.