
السفير البابوي الجديد يجدد دعم الفاتيكان لصفير شخصاً ونهجاً
كتبت دنيز عطا الله حداد في صحيفة "السفير": يحمل السفير البابوي الجديد المونسنيور غبريالي جوردانو كاتشيا توجيهات فاتيكانية واضحة: دعم البطريركية المارونية برئاسة البطريرك نصر الله صفير. ليس هذا الموقف جديدا على الكرسي الرسولي. فقبل فترة غير بعيدة، ووسط تصاعد الكلام المعترض على اداء البطريرك وخروج اصوات تطالب حتى باستقالته، اوفد الفاتيكان رئيس المجمع المقدس للكنائس الشرقية الكاردينال ليوناردو ساندري للاطلاع على الوضع عن قرب. ويقول مسؤول كنسي ان «ساندري عاد الى روما بتوصية حاسمة: البطريرك رجل حكيم، متوازن، يقول ما يؤمن به ويضع مصلحة بلاده فوق اي مصلحة. ووجوده على كرسي انطاكية وسائر المشرق ضمانة مسيحية ووطنية».
بهذا الانطباع جاء السفير الجديد كاتشيا. استمع الى سلفه لويجي غاتي. لكن ساندري كان اكثر اقناعا اضافة الى «المناخ العام» الفاتيكاني الداعم لصفير.
ليس خفيا ان السفير السابق غاتي كان يبدي بعض التحفظ على تصدي صفير للعديد من الطروحات الاشكالية الشائكة. كان يعتبر انه يضع نفسه في الخطوط الامامية فيتعرض ويعرض معه الكنيسة لانتقادات واساءات. كان غاتي رجلا محنكا. له خبراته وتجاربه وقناعات من الصعب زحزحتها.
وطوال فترة اقامته في لبنان لم ينجح البطريرك في اقناع غاتي بوجهة نظره حول الكنيسة ودورها المؤسس في قيام الكيان ومسؤوليتها المعنوية والاخلاقية عنه. سجل غاتي ملاحظاته مرارا على اسلوب الكنيسة المارونية بطريركا واساقفة وحتى رهبانيات احيانا. لكن تحفظاته بقيت ضمن الدوائر المغلقة نسبيا.
اليوم الوضع مختلف. يأتي السفير كاتشيا من دون تجربة كبيرة سابقة. هي مهمته الاولى بعد سيامته اسقفا وقد كان لفترة طويلة معاونا في امانة السر للشؤون العامة في الفاتيكان.
التقى كاتشيا صفير وخرج معجبا بهذا «الرجل الذي بلغ الـ 89 عاما ويتمتع بقدر عال من الوضوح في الافكار والمنطق في مقاربة الامور»، على ما نقل عنه احد «الآباء» المقربين من البطريرك.
ومن اكثر ما استوقف كاتشيا «صدق البطريرك». ففي الجلسة المغلقة سمع منه ما يقوله علنا. وكان مرتاحاً لما سمع «خصوصا لجهة تمسك البطريرك بالعيش المشترك بين سائر الطوائف، ولا سيما بين المسلمين والمسيحيين». وهذا ما يعكس بدقة الرغبة الفاتيكانية. وكرر صفير «ان لبنان ضرورة انسانية وحضارية يجب الحفاظ عليها، وان بين اللبنانيين الكثير من المشترك الذي يمكن البناء عليه» من دون ان ينسى تعداد الصعوبات والمشاكل «وفي طليعتها التدخلات الخارجية». كما لم يفت صفير الاشارة الى «اهمية الحفاظ على الحرية في لبنان قولا وممارسة واسلوب حياة، على الرغم من الاثمان الباهظة التي يدفعها هذا البلد، نتيجة هامش الحرية الموجود فيه والغائب عن كثير من دول جواره القريبة والبعيدة».
ارتاح السفير البابوي لما سمع. وكرر دعم الفاتيكان لصفير ومواقفه. وقد سلم كاتشيا البطريرك رسالة لم يكشف عن مضمونها. صادف ذلك موعد اجتماع المطارنة الموارنة الاخير. وبسؤال احد الاساقفة عن مضمون الرسالة وعما اذا كان لحضور كاتشيا تأثير على الموقف الذي صدر عن المجتمعين اكتفى بالقول»ان مواقف مجلس المطارنة لا تمليها زيارة، حتى ولو كانت من سفير بابوي، لقد قلنا قناعاتنا وواقع الامور».
لكن المتابعين توقفوا عند هذه المصادفة التي جمعت بين زيارة كاتشيا للصرح البطريركي قبيل انعقاد مجلس المطارنة الذي جاء بعد تصريحات «نارية» للبطريرك صفير وبين ما تضمنه البيان. فقد اكد البيان ان «البطريركية المارونية ذات دور معروف في قيام هذا الوطن، والمحافظة على ديمومته لا ينكره عليها احد، وسواء صدرت توجيهاتها عن البطريرك شخصياً او عنه مع مجمع الأساقفة، فهي تعبّر عن رأيهم الواحد لمجرد استلهامها هذا الدور، وقبولها التضحيات بدلا من المنافع الآنية من اجل المصلحة العامة».
الاكيد ان السفير البابوي لم يصغ بيان مجلس المطارنة . لكنه لو فعل لما اختار عبارات اكثر دلالة من تلك المستعملة لدعم البطريرك صفير شخصا ونهجا.
عبارات تشبه في اسلوب صياغتها اسلوب «صاحب الغبطة» شخصيا الذي يقوم في مرات كثيرة بالاشراف على تحضير بيان مجلس المطارنة قبل مناقشته واجراء التعديلات الطفيفة عليه.
لكن سواء كتب صفير بيان مجلس المطارنة الاخير «مستندا الى النظام الكنسي»، بحسب ما يؤكد احد المطارنة، او «لوضع حد للاجتهادات السياسية غير البريئة» بحسب احد الكهنة المقربين، فان موقف الفاتيكان واضح عبر سفيرها الجديد في دعم صفير. وقد يكون في رد احد موظفي السفارة البابوية على احد السياسيين المعارضين عن موعد استقالة البطريرك الجواب الشافي.
فقد قال حاسما «الامر مرتبط بضميره الذي لا نشك في انه يحمل فيه مصلحة المسيحيين ولبنان».