#adsense

البيان الوزاري ورحلة إعادة الثقة بالدولة

حجم الخط

بين الملفات الإشكالية والشأن الحياتي الضاغط
البيان الوزاري ورحلة إعادة الثقة بالدولة

دخل سعد الحريري أمس السرايا الكبيرة رئيساً لمجلس الوزراء. وإلى المشهدية المعبّرة ودلالات الحدث ورمزية المكان، فإن في ذلك إيذاناً ببدء مرحلة جديدة على مختلف الصعد الوطنية والسياسية والاقتصادية والانمائية.
وإذا كانت مؤشرات الارتياح التي رافقت إعلان الحكومة على المستويين الداخلي والخارجي تعكس مزاجاً داخلياً عاماً ومعطيات خارجية إيجابية من شأنها أن تسهل عملها، فليس ثمة من يقلل من حجم التحديات والاستحقاقات التي تنتظرها، على أن يكون البيان الوزاري أولى المحطات التي ستؤشر الى مدى التعاون والانسجام بين مكوناتها المختلفة. ومن نافل القول إن الرئيس الحريري أحسن في توصيف اللحظة عندما طرح رؤيته للمرحلة المقبلة مقرونة باليد الممدودة، إذ قال "طوينا صفحة لا نريد العودة إليها، وفتحنا صفحة جديدة نتطلع أن تكون صفحة وفاق وعمل في سبيل لبنان"، محدداً مفهومه للوفاق بأنه "يعني التعاون والتنسيق والمشاركة وجعل مجلس الوزراء سلطة تنفيذية حقيقة وليس طاولة للمناكفات السياسية وتبادل الحملات أو وسيلة لتعطيل العمل بالدستور والقوانين".

3 إشكاليات قديمة ـ جديدة

وفي تقدير مصدر سياسي متابع، فإن الصعوبات والعراقيل التي واجهت الرئيس الحريري خلال عملية التأليف لن تتكرر خلال رحلة صياغة البيان الوزاري. وذلك لعدة اعتبارات يأتي في مقدمها أن الرئيس الحريري سبق وأن ناقش بشكل مستفيض مع الأطراف السياسية كافة المفاصل الأساسية لرؤيته حول إدارة الشأن العام وتجديد مؤسسات الدولة، وخصوصاً مركزية اتفاق الطائف وعملية الإصلاح السياسي والإداري ودور لبنان وجوهر رسالته، لكن ذلك لن يلغي أن ثمة قضايا ستفرض نفسها كأولويات وتحديات في البيان الوزاري لحكومة الوفاق الوطني على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية.

في الشأن السياسي، تتقدم ثلاثة عناوين، بما هي العناوين الأكثر إلحاحاً بوصفها قضايا لا تزال منذ سنوات مسائل إشكالية انقسم حيالها اللبنانيون، وهي: سلاح "حزب الله" واحترام القرارات الدولية، والعلاقات اللبنانية السورية.

وبرأي المصدر فإن موضوعي السلاح واحترام القرارات الدولية لا يبدوان سبباً مباشراً لافتعال أزمة في الحكومة الوليدة، خصوصاً بعدما استبق رئيس الجمهورية ميشال سليمان البحث بإعلانه العزم على دعوة طاولة الحوار لاستئناف بحث الاستراتيجية الدفاعية بما يعني مصير سلاح "حزب الله".
وبحسب المصدر فإن بيان حكومة الحريري لن يبتعد عن الصيغ التي اعتمدتها حكومات ما بعد 2005، أي بيان حكومة (2005) الذي شدّد على "التمسّك باحترام القانون الدولي وحسن العلاقة مع الشرعية الدولية واحترام قراراتها، في إطار السيادة والتضامن والوحدة الوطنية"، معتبرا ان "المقاومة اللبنانية هي تعبير صادق وطبيعي عن الحقّ الوطني للشعب اللبناني في تحرير أرضه والدفاع عن كرامته، في مواجهة الاعتداءات والتهديدات والأطماع الإسرائيلية"، وبيان حكومة (2008) الذي أكد "التمسّك بمبدأ وحدة الدولة ومرجعيتها في كل القضايا المتعلقة بالسياسة العامة للبلاد بما يضمن الحفاظ على لبنان وصون سيادته الوطنية"، متناولاً "حقّ لبنان بشعبه وجيشه ومقاومته في تحرير أو استرجاع مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من قرية الغجر، والدفاع عن لبنان في مواجهة أي اعتداء والتمسّك بحقه في مياهه، وذلك بكل الوسائل المشروعة والمتاحة، والتزام الحكومة القرار 1701 بكل مندرجاته".

في الخلاصة، يؤكد المصدر، أن بند "المقاومة" في البيان الوزاري لا يمكن فصله عن نقاط أخرى، تتوازى وتتلازم مع التأكيد على مرجعية الدولة والتزام القرار 1701 والتطلّع الى الحوار الوطني لحسم موضوع الاستراتيجية الدفاعية. بمعنى أن "مرجعية الدولة" في البيان الوزاري هي "إطار الممكن" الذي يفي بالغرض الى حين الاتفاق على "الاستراتيجية الدفاعية".

أما في ما يتعلق بالعلاقات اللبنانية السورية، فيشدد المصدر على أهمية الإقرار بأن ثمة أزمة حوار بين لبنان وسوريا وأن لا بدّ من مواجهتها عاجلاً أم آجلاً، وخصوصاً أن لبنان لم يتجاوز بعد أخطاء سوء إدارة العلاقة بين البلدين الذي مارسه نظام الوصاية منذ اتفاق الطائف. ويضيف أن تصويب العلاقة بدمشق أمر ضروري بما في ذلك زيارة رئيس حكومة لبنان سعد الحريري إلى سوريا، بعد إنضاج ظروف الزيارة لإعطائها بعدها الحقيقي في تصويب العلاقات تمهيداً لتطبيعها، بما يتجاوز المطالب التقليدية التي باتت معروفة الى الارتقاء بالعلاقات لمستوى الندية التي تتجاوز بازارات الابتزاز وتفتح آفاقاً جديدة غير تلك المرسومة في أذهان اللبنانيين.

أولوية الشأن الحياتي

من جهة ثانية، يعتبر المصدر نفسه انه لا يستقيم القول ان مهمة هذه الحكومة محصورة بالشأن السياسي فقط، بل إن ثمة ملفات أساسية سيكون مطلوباً منها متابعتها وتقديم حلول لها. وتحصر المصادر هذه الملفات بشقين: الشق الأول يتعلق بتفعيل عمل مؤسسات الدولة ومواجهة التحدي الأمني الداخلي والخارجي بما يشمل مواجهة التهديدات الإسرائيلية بعدوان جديد على لبنان، وبما يشمل أيضاً تعزيز الحضور الخارجي للبنان بعد انتخابه عضواً غير دائم في مجلس الأمن.

أما الشق الثاني، وهو برأي المصدر لا يقل أهمية عن الأمور والمسائل السابقة، فيتعلق بتقديم معالجات جدية وملموسة للأزمة الضاغطة المتصلة بالشأن الحياتي والمعيشي للمواطنين، بما فيها الارتفاع المضطرد لأسعار المواد الغذائية الأساسية وأسعار مشتقات البترول والانعكاسات المباشرة لذلك على حياة الشريحة الأكبر من اللبنانيين، خصوصاً مع مؤشرات عالمية سلبية تفيد بأن هذا الإرتفاع سيتواصل حتى نهاية العام.

ويرى المصدر في هاتين المهمتين "أولوية حقيقية يجب الانصراف إليها لإطلاق عجلة العمل في الإدارات العامة وتمكين الجيش وقوى الأمن من تمتين الاستقرار السياسي والأمني كمدخل رئيسي للاستقرار الاقتصادي. ويتابع انه "إذا كانت مسائل السلاح والعلاقات بسوريا مثار جدل سياسي داخلي فإن الملفات المتبقية هي محل اتفاق، وبالتالي يجب إعطاؤها أولوية المتابعة بالتوازي مع عملية الحوار الوطني حول المسائل الأخرى".

وفي المحصلة فإن البيان الوزاري سيركز بشكل أساسي على ما تضمنته كلمة الرئيس الحريري عقب إعلان التشكيلة وخلال أول جلسة للحكومة، وخصوصاً لناحية التأكيد على ثوابت اتفاق الطائف وإعادة الاعتبار للدستور والعملية الديموقراطية والتزامات لبنان أمام العالم وإطلاق ورشة الإصلاح واحترام القرارات الدولية ذات الصلة بلبنان، وسيحيل على هيئة الحوار الوطني بحث القضايا الإشكالية، بما فيها الاستراتيجية الدفاعية.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل