حكومة لا تنطلي على أحد
على رغم ملكة الصبر التي أثبت انه يتحلى بها، إلا ان سيد السرايا الجديد، سعد الحريري، يعرف ان ما عانى منه خلال أشهر التأليف الخمسة للخروج بالتشكيلة الحكومية العجائبية، قد يكون مجرد «نزهة» اذا ما قورن بما ينتظره داخل مجلس الوزراء، لجهة التعامل مع معارضة تمتلك الثلث المعطل وتمثل نقيض كل ما يصبو اليه في السياسة والاقتصاد، وفي الاجتماع أيضاً.
كانت لوالده الراحل تجربة مختلفة يمكن اعتبارها «أسهل» اذا أخذت بمقياس التعامل اليومي مع القضايا المطروحة والأزمات المتكررة. كان رفيق الحريري يتعامل مباشرة مع سلطة الوصاية السورية وقواها الأمنية المنتشرة فوق الأرض اللبنانية والتي كان يعود اليها البت في أي مشكلة تطرأ أو تُفتعل، فيوازن بين الممكن والمفروض، ويستقوي احياناً بدمشق على خصومه اذا بالغوا، في إطار من التوافق الإقليمي الذي يلف الجميع ويضعهم في «سلة» واحدة. اما سعد الحريري فمضطر الى التعامل مع «ممثلي» الوصاية من اللبنانيين وتشعباتهم الإقليمية الأبعد، بعدما خرجت سورية من دائرة الاتصال المباشر وصار مجرد استمزاج رأيها يتطلب وسطاء إقليميين ودوليين ورحلات مكوكية بين العواصم، فكيف وقد ثبت بالملموس خلال مماحكات التأليف ان دورها لا يزال أساسياً في أي صيغة او قرار؟
تقوم حكومات ما يسمى «الوحدة الوطنية» عادة على تنازلات طوعية متبادلة بين فريقين، او اكثر، متنافسين ومتضادين في الغايات والوسائل، لأنهما استشعرا وجود خطر خارجي داهم يهدد البلاد ونظامها والأطراف السياسيين جميعاً، فتصبح التضحية بالمبادئ والتنازل عن المكتسبات أمرين واجبين لإنقاذ الوطن. أما في لبنان فالخطر على الاستقرار والنظام والمؤسسات مصدره الداخل نفسه، وأطراف تعتبر ان لها الحق في فرض رأيها على الآخرين، ليس بقوة الإقناع والمواقف السياسية ولا صناديق الاقتراع، بل بتهديد السلاح وبالتعطيل والاستقواء بالخارج، ثم تطالب بأن تكون شريكة في الحكم الذي تهدده.
والحكومات الائتلافية تعني توافقاً على برنامج حد أدنى وتفاهماً على كيفية تنفيذه، وهو ما لم يحصل خلال مفاوضات الحريري مع المعارضة، بل كان الأخذ والرد يتركز على الحصص والحقائب والأشخاص، من دون ان يصل الى المفهوم والدور والأهداف. وهذا هو مغزى التحذير الذي أطلقه البطريرك صفير من خطورة الجمع بين الأكثرية والأقلية في حكومة واحدة على عملية اتخاذ القرار ورسم سياسة الدولة وتسيير شؤونها. وهو ما عناه الحريري أيضاً في الاجتماع الأول لحكومته عندما اعتبر انها «استثنائية» في ائتلافها لكنها «لا تؤسس لقاعدة او عرف دستوريين» معرباً عن أمله في ان يكون يوماً في صفوف المعارضة في إطار نظام ديموقراطي، لا ان يفرض نفسه على الطرف الآخر بالقوة وبحجة «اللاميثاقية».
فالخلافات العميقة القائمة بين الموالاة والمعارضة، بدءاً من تعيين أي موظف ومروراً بتحديد السياسة الخارجية ووصولاً الى إحياء دور المؤسسات الدستورية، ستنعكس دوماً اختبار قوة بين الطرفين وكباشاً لا يسهل مهمة اي حكومة.
صحيح ان كل «الثورات»، وبينها «ثورة الأرز»، لا بد ان تضع أوزارها يوماً لتبدأ عملية البناء الداخلي بأوسع مشاركة ممكنة من مختلف القوى السياسية والاجتماعية، لكن هذا يفترض سلفاً موافقة هذه القوى على اعتبار نفسها، قولاً وممارسة، جزءاً من الكيان الذي تسعى الى قيامه، لا ان تطالب بالمشاركة في صوغه وتظل تقيم خارجه. اما ما حصل في لبنان فلا يقنع أحداً.