#dfp #adsense

قمة دمشق بين الدلالات السياسية والمآخذ الشكلية

حجم الخط

سليمان يضطلع بدفع ملف العلاقات ويمهّد لزيارة الحريري
قمة دمشق بين الدلالات السياسية والمآخذ الشكلية

من أبرز ما حرص عليه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان منذ انتخابه، اعادة وصل ما انقطع بين لبنان على مستوى رئاسة الجمهورية وغالبية العواصم المؤثرة، خصوصا بعد قطيعة مارستها هذه العواصم ضد سلفه بعد التمديد القسري له واغتيال الرئيس رفيق الحريري. وقد حظي انتخابه بدعم خارجي كبير لم يفت الرئيس سليمان توظيفه بسرعة من اجل النهوض بالوضع الداخلي اللبناني ونقله الى مكان آخر عبر تظهير علاقات خارجية جيدة بكل الدول الصديقة وتسلم ملف العلاقات اللبنانية مع الخارج في فترة صعبة، بحيث ساهم الى حد كبير في إعادة الهيبة والزخم الى موقع رئاسة الجمهورية من جهة واعادة بناء وجه لبنان في الخارج من جهة اخرى. هذا الدور اخذ مداه في السعي الى تظهير علاقات لبنانية سورية جديدة وترميم ما انقطع بين البلدين على اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري وانسحاب القوات السورية من لبنان، وقد تم تتويجه بإقامة علاقات ديبلوماسية للمرة الأولى بين البلدين بعدما كانت دمشق وعدت الرئيس سليمان بأنها ستتبنى هذه الخطوة بعد انتخابه للرئاسة الاولى. فكان ان حصد هذا الانجاز التاريخي، ولو انه لا يزال رمزيا في جزء كبير منه في مطلع عهده، فضلا عن استمرار رعايته علاقات ثنائية جيدة بين لبنان وسوريا كان لبنان في اشد الحاجة اليها في ظل الانقسامات والاصطفافات التي كانت قائمة، فضلا عن مساهمته عبر هذا الدور في تخفيف الكثير من التشنجات الحادة التي لا تزال عالقة بين البلدين. وكثر يرغبون في ان يحافظ الرئيس سليمان على هذا الدور ولا يتنازل او يتراجع عنه، او حتى يشارك الآخرين فيه، نسبة الى ادوار الرئاستين الاولى والثالثة بعد اتفاق الطائف، وهم يدفعون في هذا الاتجاه ايضا.

هذا الاقرار بدور الرئيس سليمان، والذي تجمع عليه غالبية السياسيين ويثني عليه بقوة رؤساء البعثات الديبلوماسية المعتمدة في لبنان وزواره الاجانب، لم يحل دون إثارة تساؤلات متحفظة ليس عن جوهر زيارته امس لدمشق بل عن الشكليات التي احاطت بها، وهي كثيرة، خصوصا على اثر اداء لأسلافه بعد اقرار اتفاق الطائف، غالبا ما كان يثير حفيظة اللبنانيين من خلال الزيارات او القمم السرية في دمشق، علما ان الوجود السوري في لبنان كان ابرز التبريرات لذلك. وليس خافياً انه بعد اتمام التبادل الديبلوماسي بين البلدين، من الصعب بالنسبة الى غالبية المتحفّظين عن الشكل والاسلوب وليس عن حتمية العلاقات وضرورتها، تفهم زيارة مفاجئة يقوم بها رئيس الجمهورية لدمشق، ايا تكن الاسباب الموجبة لها، من دون الاعلان عنها قبل يومين على الاقل او قبل 24 ساعة او حتى قبل ساعات قليلة اذا كانت ثمة حالة طارئة عبر بيان رسمي يصدر عن قصر الرئاسة. فالزيارة لم تكن سرية لكنها تتخذ هذا الطابع في شكل او آخر في وقت لم تلحظ اي حركة ديبلوماسية سورية في اتجاه بعبدا او ديبلوماسية لبنانية في دمشق. وهذا امر يثير تساؤلات وحتى مخاوف، لكون العلاقات البسيطة المبنية على الصداقة لا تسمح الشكوك والتحفظات اللبنانية الكبيرة التي لا تزال قائمة على مستوى الرأي العام بتجاوز الشكليات المهمة والضرورية في علاقة من دولة، الى دولة ما دامت سوريا أقرّت بها مبدئياً ولبنان عانى الامرّين من اجل الحصول عليها وتثبيتها، خصوصا ان المسألة مع سوريا، ولو كانت الزيارة خاصة ولا تتطلب اعلانا رسميا عنها من وجهة نظر البعض، غالبا ما تفسّر على غير محملها، فضلا عن توظيفها من "غيارى" كثر في غير اطارها، وخصوصاً أنها اتت بعد ايام قليلة على تأليف الحكومة.

التحفظ الآخر الذي أثير في الاوساط السياسية، ولو من دون ان يخرج الى العلن حرصا على موقع الرئاسة في شكل أساسي، يتصل بتوقيت الزيارة، أي قبل ساعات قليلة من توجّه الرئيس السوري بشار الاسد الى باريس، في زيارة لا تمتّ بصلة الى لبنان، في وقت تعطي زيارة الرئيس اللبناني للعاصمة السورية ورقة قوية تعزز موقع نظيره السوري ايا يكن نوع المحادثات التي سيجريها في باريس.

ومن المستبعد ان تثير هذه التحفظات ما يمكن ان يؤثر على المسار الايجابي العام للاوضاع غداة تشكيل الحكومة، خصوصا ان الاوساط السياسية كلها كانت اصلا على بيّنة من زيارة سيقوم بها الرئيس سليمان لدمشق في فترة قريبة بعد تشكيل الحكومة وقبل زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري لها، لكنها لم تتوقعها قبل توجه الاسد الى باريس. كما ان لا خلاف داخليا على ضرورة استكمال ملف العلاقات اللبنانية السورية وفق الاسس التي ارستها القمة الاولى بين سليمان والاسد عقب انتخاب الاول رئيسا للجمهورية، وثمة تسليم بأن دور سليمان اساسي في دفع هذا الملف قدما. يضاف الى ذلك ان القمة الاخيرة تشكّل خطوة تمهيدية اساسية للزيارة التي سيقوم بها الحريري لدمشق، مما يعني ان رئيس الجمهورية يأخذ على عاتقه التحضيرات الضرورية لهذه الزيارة، وهو امر ايجابي ان تأتي زيارة الحريري عبر دور لرئاسة الجمهورية وليس عبر ادوار خارجية، ولو ان الجميع يدركون اهمية اتفاق المصالحة السورية السعودية وتأثيره على هذه الخطوة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل