المرحلة الجديدة ومتطلبات تطوير الفكر والشكل التنظيمي
ما هو مستقبل الحركة الاستقلاليّة؟
كانت انتخابات نيابيّة نالت فيها "قوى 14 آذار" الاكثريّة. ثم كان تمييز بين "قوى 14 آذار" كإطار للعمل الجبهويّ، إن صحّ التعبير، وبين الاكثريّة، كائتلاف برلمانيّ. وكانت تجربة لتعطيل قيام حكومة تعكس نتائج الانتخابات بصورة أو بأخرى، ثم "تسامح" المشهد الاقليميّ مع قيام هذه الحكومة.
بعد كل هذه "الفترة الانتقاليّة" منذ يوم إذاعة النتائج الانتخابية وإلى اليوم، فإنّ مستقبل الحركة الاستقلاليّة من حيث المضمون كما من حيث الشكل هو الذي لا بدّ أن تعتني تلاوين هذه الحركة وأطيافها في مناقشته. إلى الحين ثمّة من يعطي الاولويّة لمقاربة "تنظيميّة" بالدرجة الاولى لحاضر ومستقبل هذه الحركة، وثمّة من يرى أن المقاربة الواجبة لا ينبغي أن تكون "تنظيمية" فقط، وإنّما تذهب إلى ما هو أعمق..
وحتى الآن فإن السؤال حول مستقبل الحركة الاستقلاليّة يطرح انطلاقاً من نوافذ أربع:
الأولى، أنّ الحركة الاستقلاليّة حقّقت كامل برنامج 2005 الاستقلاليّ، فتحقق الجلاء العسكريّ السوريّ وفقاً للقرار 1559، وقامت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وانفرط عقد "النظام الأمنيّ". أمّا الافكار والرؤى حول المسائل السياديّة الاخرى وفي مقدّمتها "سلاح حزب الله"، فإنّ الحركة الاستقلاليّة لم تصغها في شكل برنامجيّ وبقيت أقرب إلى تداول إمّا صيغ نظريّة صرفة وإما مقولات سياسيّة متبدّلة بحسب الظرف ودقّته.
السؤال الذي يطرح نفسه من هذه النافذة: ما هو مستقبل حركة استقلالية أنجزت برنامجها المصاغ، ولم تصغ بعد بشكل برنامجيّ المطالب والاهداف المتبقيّة؟
أمّا النافذة الثانية التي يطرح منها سؤال مستقبل الحركة الاستقلاليّة فيتعلّق بالانتخابات النيابية. انتصرت الحركة الاستقلاليّة في الانتخابات، لكنّ هذا الانتصار وجد نفسه متعايشاً بالضرورة مع حال الغلبة الامنيّة الواضحة في البلاد والنافرة في الخطاب السياسيّ أيضاً. وظهر أنّ التعايش بين منطق "7 أيّار" ومنطق "7 حزيران" ليس مسألة شهور عابرة، بل قد يمتدّ لمرحلة كاملة من تاريخ هذا البلد. ما هو مستقبل حركة إستقلاليّة في ظلّ هذا التعايش؟.
والنافذة الثالثة التي يطرح منها سؤال مستقبل الحركة الاستقلاليّة هو أنّها استطاعت بلورة شكل متقدّم تاريخياً من العمل الجبهويّ في لبنان، تمثّل بتجربة "قوى 14 آذار" على امتداد السنوات الاربع الأخيرة. لكن تجربة العمل الجبهويّ هذه واجهت ثلاث تجارب "تعليق" معيّن للعضويّة في الاطار "التنظيميّ" دون مغادرة صفوف الحركة الاستقلالية وثوابتها الاساسيّة، علماً أنّ كل تجربة "تعليقية" كانت لها حيثيّاتها ودوافعها وأعطت انطباعات مختلفة عن الاخرى. لكن بالنتيجة فإن كل تجربة "تعليقية" هي مسألة تطرح نفسها على مجمل الحركة الاستقلالية: كيف تتمكّن هذه الحركة من التطوير المستمرّ للشكل التنظيميّ وفقاً لظروف كل مرحلة، ووفقاً لميزان المتحقّق وغير المتحقّق من المقاصد والغايات؟
والنافذة الرابعة تتعلّق بجدلية "الحكوميّ وغير الحكوميّ" في عمل الحركة الاستقلالية في مرحلة يترأس فيها زعيم الغالبية البرلمانيّة حكومة الوحدة الوطنيّة، وهي مرحلة أقلّ ما يقال فيها إنّها "معقّدة" قدر ما هي "بالغة الدقّة" إقليمياً، لا بل إنّها بالغة التداخل، إذ لم يسبق مثلاً أن كان الارتباط إلى هذه الدرجة بين ما يحدث في لبنان وما يحدث في فلسطين وما يحدث في العراق وما يحدث في اليمن. السؤال هنا أيضاً: ما الذي تستطيع الحركة الاستقلاليّة القيام به؟
هذه النوافذ الاربع إذا ما اجتمعت فهي تعطي بداية الجواب حول مستقبل الحركة الاستقلالية وسبل هذه الحركة لتحسين شرط مستقبلها.
فالمشترك الذي يمكن تبيانه من هذه النوافذ الاربع أن الحركة الاستقلاليّة كي تستمرّ وتكتسب راهنية متجدّدة في هذه المرحلة بالذات، عليها أن تطوّر استراتيجية طويلة الامد، تفهم بشكل ذكيّ أن برنامج 2005 الاستقلالي تحقّق، في حين أن النقاط السيادية المطروحة منذ 2006 تحتاج إلى مرحلة زمنيّة كاملة بغية صياغتها برنامجيّاً، وهذه المرحلة لا يمكن تسريعها "إرادياً" ولا يمكن أن يتفرّد بها تشكيل واحد داخل الحركة الاستقلاليّة، بل لا بدّ أن تسير فيها الحركة الاستقلاليّة بمجموعها.
وهذه الاستراتيجية طويلة الامد تحتاج أكثر من أي وقت مضى الى إعادة الاعتناء بـ"فكر الحركة الاستقلالية" إنطلاقاً من طرح مسألة مركزية: في ماذا تقترن الحركة الاستقلالية بمنظومة الاعتدال الرسميّ العربيّة وفي ماذا تفترق عنها؟ فالحركة الاستقلاليّة اللبنانية لا تزدهر الا بالجمع بين الانتساب إلى منظومة الاعتدال الرسميّ العربيّة من جهة وإلى حركة التوسّع الديموقراطيّ باتجاه العالم العربيّ من جهة أخرى، مثلما أنّها لا تقوى الا بالجمع بين الانتساب المشترك لفكرة "لبنان أولاً" من جهة وللمصلحة الوطنية في تطوير شبكة القيم والمصالح والمنافع العربيّة المشتركة من جهة أخرى.
ولا يمكن التجديد على صعيد الصيغ "التنظيميّة" للحراك الاستقلاليّ قبل إعادة طرح السؤال حول الاستراتيجية العامّة وحول التمايز في إطار منظومة الاعتدال العربيّ، وأيضاً حول التمايز بين 14 آذار "الحكوميّة" و14 آذار "العامّة".
أما المدخل الى مناقشة الشكل التنظيمي فيبقى: أي شكل يسمح باحتضان "القضايا السيادية غير المصاغة برنامجياً بعد" (خصوصاً موضوع السلاح)، ويحضّر بقدر المستطاع التقدّم بإتجاه مثل هذه الصياغة، بدون أن يتعارض ذلك مع قدرة 14 آذار "الحكوميّة" على الحركة، لا بل يزيد من قدرة 14 آذار "الحكوميّة".