في السرايا… وجدانياً وسياسياً
شكّل دخول سعد الحريري السرايا رئيساً للحكومة، احتفاليتين: شخصية ذاتية وسياسية وطنية.
بالنسبة الى الاحتفالية الأولى، لم يكن في حاجة الى البهرجة ولا الى السجاد الأحمر، رغم أنهما من المراسم التقليدية. لكن الأمر ربما اقتضته وجدانية الاحتفال وعمق مغزاه عند الذي وصل ليكمل الطريق. فكان الاحتفال عنده مهيباً ومؤثراً ومفعماً بالانفعال الذاتي، على الأقل لأنه يمثل من الزاوية الشخصية وفاء للدم، ذلك الدم الذي أشاد في فورة الحياة المكان والموقع السياسي، والذي ترك في عصف الاستشهاد ودائع وتحديات وأمانات في العصب والولاء والوفاء، كما في إكمال طريق العمل الوطني.
هكذا لم يكن المراقب في حاجة الى التدقيق في تفاصيل المراسم، فهي مجرّد تفصيل خارجي، بينما أخذ الجوهر يتفجّر بركان انفعالات في أعماق الواصل أخيراً، الى موعد معقود منذ زمن بعيد، كهدف يوفّر الوفاء لمن مضى ويتيح تنفّس الصعداء لمن وصل.
كان المراقب بالتأكيد في حاجة الى التدقيق في وجه الابن الرئيس سعد رفيق الحريري وفي عينيه. فلقد كان بعيداً داخل فنائه الوجداني، في مكان آخر غير السرايا. كان في حضرة الذي صنع الحكاية وبنى العمارة السياسية ورسم الدرب ومضى.
وعندما سار سعد الحريري تلك الخطوات التي تفرضها المراسم مصافحاً الحاضرين، بدا كأنه يلتقط يد والده، ويسيران معاً في ذلك الفناء التاريخي الفخم. ولكأن المناسبة تتم في 13 شباط من عام 2005 لا في 11 تشرين الثاني، وان 14 شباط 2005 لم يكن.
كان التهيب الممزوج بالمرارة، مسيطراً على وجه رئيس الحكومة الجديد، بحيث لم تتسع المناسبة لابتسامة، بما يعني شيئاً واحداً: الأمانة وصلت، ها أنت عليها وعليّ شاهد وشهيد. أوَلستَ الذي دأب على القول انه لا يصح إلا الصحيح؟
❒ ❒ ❒
أما بالنسبة الى الاحتفالية السياسية الوطنية، فإن المناسبة تستحق التذكير بأن هناك فعلاً مراسم تقليدية تعتمد أحياناً، فكيف اذا كانت تصل الآن بعد معمودية طويلة ومنهكة ومريرة بدأت قبل الانتخابات وامتدت اكثر من خمسة أشهر، وبدا واضحاً خلالها ان هناك فعلاً من يريد إلغاء مفاعيل هذه الانتخابات، وتنحية المفهوم الديموقراطي البرلماني جانباً؟ وعملياً، تمكنت المعارضة من هذا لسببين:
تمسك سعد الحريري بحكومة وحدة وطنية، وهو ما جعله يواجه شروطاً استنزافية. اما السبب الثاني، فلأن الواقع الانقسامي الخطير الذي وصلت اليه البلاد، فرض البحث منذ اللحظة الاولى عن أبواب الوصل والتفاهم، ولهذا دعا الحريري الى حكومة لمّ الشمل حتى قبل تكليفه تشكيل الحكومة.
لم يكن الأمر مقتصراً على السعي لتجاوز نتائج الانتخابات برفع المعارضة شعارات الوحدة والمشاركة، بل كان واضحاً ان هناك أيضاً من يريد منع سعد الحريري من الوصول الى رئاسة الحكومة، عبر احراجه لاخراجه ثانية وربما نهائياً من نادي رؤساء الحكومات. ولهذا كانت معمودية الصبر وطول الأناة وحتى التضحية بالحقوق السياسية المشروعة للأكثرية، في وقت تداخلت الشروط الداخلية بالتقاطع الخارجي ليسود في النهاية منطق "بيت" الوسط اساساً لقيام الحكومة، بدلاً من الذهاب الى الفراغ على حساب لبنان الذي لم يعد يتحمل.
❒ ❒ ❒
والآن منذ الاعلان عن تشكيل الحكومة الجديدة يغرق لبنان في نوعين من الكلام: الكلام الخارجي، وهو عبارة عن طوفان من بيانات الترحيب والارتياح، وهذا ما يطرب البعض لأنه يكشف مدى اهتمام دول العالم بلبنان، لكنه قد لا يعجب البعض الآخر لأنه يكشف المدى الذي بلغه يأس العالم من نهوض الدولة في لبنان، فإذا بتشكيل الحكومة يبدو انجازاً ومعجزة!
والكلام الداخلي الذي يبدو على طريقة افتح يا سمسم. فاذا بسمسم يفتح على ما يسرّ القلب ويبعث على الأمل والتفاؤل.
وهكذا كان من الضروري لمستقبل النظام السياسي في لبنان، ان يحرص الحريري في الجلسة الاولى للحكومة، على القول "ان الاستثناء لا يؤسس لقاعدة او عرف دستوري، وان حكومة الائتلاف الوطني في النظام البرلماني الديموقراطي استنثاء توجبه الحاجة والضرورة".
وهكذا أيضاً، اذا كان الحريري قد حرص على القول "ان هذه الحكومة وجدت لتعمل لا لإقامة المتاريس وان الحوار يجب ان يحكم عملنا والعلاقة بيننا"، فإن نسبة السرور والاستبشار تضاعفت عندما قال الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله: "إنني أضم صوتي الى صوت رئيس الحكومة. نحن لا نريدها حكومة متاريس ولا حكومة ألغام ومزايدات وتسجيل نقاط".
وعندما يتعهد السيد نصرالله العمل الجدي والصادق والمخلص لإنجاح الحكومة، لافتاً الى ان ليس من الضروري استعجال طرح "الملفات الكبرى" واهمها طبعاً مسألة السلاح واستراتيجية الدفاع، وترك هذه الملفات لطاولة الحوار الوطني… ثم عندما نتذكر ما يدأب الرئيس ميشال سليمان على الدعوة اليه من الوفاق والتعاون وطي صفحة الانقسام والخلافات المدمرة بين اللبنانيين، وكذلك لهجة المصالحة والتعاون والانفتاح التي طبعت كلام الجنرال ميشال عون، أمام كل هذا يصبح في الامكان المراهنة على انبعاث أمل كان قد خبا في نفوس اللبنانيين، وقد عبّر الحريري عن هذا الواقع بالقول: "لم يعد جائزاً ان يستمر لبنان في النزف. وان الحكومة فرصة جديدة لتأكيد ارادة الوفاق، بما يحول دون بقاء لبنان ساحة للصراعات الإقليمية، وان الوحدة الوطنية هي السلاح الأقوى لمواجهة اسرائيل".
إذاً لنذهب الى التفاؤل بالخير، ولكن من دون ان ننسى المثل الفرنسي الذي يقول: "C”EST TROP BEAU POUR ÊTRE VRAI".