تنفيذ القرارات الدولية ليس من مسؤولية لبنان وحده
سلاح "حزب الله" إلى الحوار مقابل تسهيل عمل الحكومة
هل يمكن القول ان الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله حسم موضوع السلاح بدعوته الحكومة الى "التريّث في طرح الملفات الكبرى كي يرتاح البلد". وقال "اذا بدأنا بها فذاهبون الى المشكل، فلنناقش على طاولة الحوار بهدوء اي ملف ولندع الحكومة تعمل". ودعا ايضاً القيادات الموجودة في الحكومة "الى التحسس بالمسؤولية الوطنية" مشيراً الى "ان من اهم الاولويات الوضع المعيشي والاقتصادي والاجتماعي ومكافحة الفساد المالي والاداري في اجهزة الدولة". ولفت الى "عدم الانجرار في البيان الوزاري وراء اهداف كبيرة لا قدرة لنا على انجازها كي لا نرمي المسؤولية على بعضنا".
الواقع ان كل ما يهم "حزب الله" هو الابقاء على سلاحه خصوصاً في الظروف الدقيقة التي تزيدها التهديدات الاسرائيلية دقة وخطورة، وهو مستعد في المقابل لان يعطي كل ما من شأنه ان يسهّل اقرار الخطوات المتعلقة بالوضع المعيشي والاقتصادي والاجتماعي ومكافحة الفساد. "فوزارة" السلاح التي يمتلكها "كأمر واقع تبقى اقوى واهم من كل الوزارات، وهو ما جعله لا يهتم بحصته من الوزراء ولا بالحقائب ونوعيتها كما فعلت احزاب اخرى. فالبلد يرتاح اذا ارتاح "حزب الله" الى وضع سلاحه ومصيره وتوقفت المطالبة بتقييد هذا السلاح باقتراح صيغ عدة، لئلا يكون هذا الموضوع سببا لخلافات داخل الحكومة وخارجها تنعكس على مواضيع اخرى تهم الناس. واذا لم يكن في الامكان اخراجه من التداول، فلتكن طاولة الحوار هي المكان الصالح للبحث فيه، وهو بحث قد يطول، ولا ينتهي الا بعد ان تظهر صورة الوضع في المنطقة، وهل هي سائرة نحو تحقيق سلام شامل ام نحو حروب او تفكك.
لقد اعلن الرئيس ميشال سليمان في خطاب القسم: "ان نشوء المقاومة كان حاجة في ظل تفكك الدولة، واستمرارها كان في التفاف الشعب حولها، وفي احتضان الدولة كياناً وجيشاً لها، ونجاحها في اخراج المحتل، يعود الى بسالة رجالها وعظمة شهدائها، الا ان بقاء مزارع شبعا تحت الاحتلال ومواصلة العدو الاسرائيلي لتهديداته وخروقاته للسيادة يحتم علينا استراتيجية دفاعية تحمي الوطن متلازمة مع حوار هادئ للاستفادة من طاقات المقاومة خدمة لهذه الاستراتيجية، فلا تستهلك انجازاتها في صراعات داخلية وتحفظ تالياً قيمها وموقعها الوطني".
وكان الرئيس سعد الحريري قبل تكليفه تشكيل الحكومة من دعاة اخراج موضوع سلاح المقاومة من التداول المثير للخلاف ولتكن طاولة الحوار هي المكان الصالح لذلك، بحيث ينصرف مجلس الوزراء للاهتمام بشؤون الناس المعيشية والاجتماعية. وخلال ترؤسه جلسة لجنة اعداد البيان الوزاري، اكد ضرورة الخروج ببيان يتضمن اهم ما تستطيع الحكومة تحقيقه في مختلف المجالات.
وفي المعلومات ان الحكومة ستكون حكومة كل الناس حكومة اقتصاد ومال واعمال بحيث تصب اهتماماتها على الشؤون المعيشية والخدماتية والاجتماعية والصحية، لان هذا ما يهم الناس اكثر بكثير من الاهتمامات السياسية، وقرفهم من المشاحنات والمناكفات التي لا جدوى منها، واذا كان موضوع السلاح خارج الشرعية يهمهم لانه يعوّق قيام الدولة القوية القادرة على بسط سلطتها على كل الاراضي اللبنانية فلا يكون سلاح غير سلاحها ولا سلطة غير سلطتها ولا قانون غير قانونها، فإنه يهمهم في الوقت نفسه الحفاظ على السلم الاهلي، وتحاشي كل ما من شأنه ان يشكل تهديداً له.
لقد تعرض لبنان لحروب داخلية بدأت بحرب لبنانية – فلسطينية عام 1975 بسبب وجود سلاح في ايدي التنظيمات الفلسطينية وما لبث ان انتشر بين ايدي اللبنانيين وقام في لبنان حكم الدويلات مكان حكم الدولة، ولم تنته تلك الحروب الا بعد الاتفاق على وثيقة الوفاق الوطني اللبناني التي عرفت بـ"اتفاق الطائف"، وبعدما دفع لبنان ثمن التخلّص من سلاح التنظيمات الفلسطينية وسلاح الميليشيات اللبنانية ووصاية سورية عليه دامت ثلاثين عاماً… وان التخلص من سلاح "حزب الله" قد يكون اكثر كلفة اذا لم يتم بالحوار الهادئ للتوصل الى حل يحفظ هيبة الدولة ويحترم سلطتها، اذ لا سبيل الى حل آخر ما دام السلام لم يتحقق مع اسرائيل كي تنتفي بتحقيقه اسباب حمله. وان اي حل يهدد السلم الاهلي هو حل مرفوض، وكل حل لا يصير التوافق عليه بين جميع القيادات اللبنانية، يكون حلاً غير قابل للتنفيذ، واذا صار تنفيذه، تعرضت البلاد لفتنة داخلية، وما دام نزع سلاح "حزب الله" بالقوة غير وارد واتخاذ قرار بنزعه حتى ان لم ينفّذ، قد يهدد السلم الاهلي ايضاً.
لذلك فإن موضوع سلاح "حزب الله" ينبغي ان يبحث في اطار حوار هادئ للتوصل الى توافق حول الصيغة الفضلى التي تجمع بين احترام سلطة الدولة، والاستفادة من وجود هذا السلاح في مواجهة اي عدوان اسرائيلي على ان تعطى الضمانات الكافية بأن لا يستخدم أبداً في الداخل ولأي سبب من الاسباب لانه لا يعود عندئذ سلاح مقاوم بل سلاح سياسي يخل بالتوازنات الداخلية. وحسم هذا الموضوع لا يكون بتصويت اكثرية الثلثين او اكثر بل بالتوافق وبالاجماع، والا فان اي قرار في شأنه يتخذ بالاكثرية المطلوبة، قد يكون له تداعيات اخطر من تلك التي سببها قرار نقل رئيس امن المطار ووقف العمل بشبكة الاتصالات العائدة لـ"حزب الله" وقد اعتبرها الحزب جزءاً من سلاحه، فكيف اذا تناول القرار مصير السلاح نفسه.
ويتساءل بعض الوزراء ما النفع من اثارة خلاف عند وضع البيان الوزاري حول العبارة التي تتناول موضوع سلاح "حزب الله" ولم يكن في استطاعة الحكومة تنفيذ ما جاء فيها. وما النفع حتى من محاولة تنفيذ ذلك اذا كان سبباً لفتنة داخلية، ولتهديد السلم الاهلي، لذلك فإن هذا الموضوع هو الموضوع الوحيد الذي لا يمكن اقراره الا بالتوافق. كما ان تنفيذ القرارات الدولية بما فيها القرار 1701، ليس مسؤولية لبنان وحده بل مسؤولية كل الاطراف المعنيين الذين عليهم ان يتعاونوا بصدق على تنفيذه.