12 إلى 15 صفحة والشقّ السياسي لن يتجاوز نصف البنود
البــيــــان الــــوزاري "إنــشـــــاء توافــقــــي" أم التــزامـــات جــدّيــة ؟
عمد غالبية الوزراء والسياسيين خلال الايام الاخيرة عقب تأليف الحكومة الى التقليل من اهمية اي خلاف محتمل حول مضمون البيان الوزاري، مطمئنين اللبنانيين والخارج ايضا الى ان هذا البيان لن يستغرق وقتا طويلا اسوة بالتأخير الذي استغرقه تأليف الحكومة . والذريعة الاساسية الظاهرة هي عدم الرغبة في اطالة فترة الفراغ والانتقال بسرعة الى العمل، في حين ان واقع الامور على ما يكشف اكثر من مصدر سياسي هو عدم الرغبة في جدل سياسي يستعيد ما حصل خلال السنة الماضية مع حكومة الرئيس فؤاد السنيورة. وقد ساهم موقف رئيس الحكومة سعد الحريري في الاساس وخلال الاجتماع الاول للجنة المكلفة صياغة البيان الوزاري ودعوته الى عدم الانشغال بالخلافات السياسية والتركيز باختصار على الاساسيات بعبارات مقتضبة بعيدة من التطويل او وضع بنود كثيرة لبرنامج طموح لا يمكن تطبيقه في اندفاع الوزراء الى الادلاء بدلوهم في هذا الاتجاه من خلال الدعوة الى الابتعاد عن الانشائيات في مضمون البيان وفق ما افادت المعلومات عن اول جلسة عقدت في السرايا.
غير ان البيان يكتسب اهميته من وجهة نظر مبدئية لكونه برنامج عمل الحكومة المقبلة وليس لأشهر قليلة فحسب بل لأربع سنوات مقبلة وحتى موعد الانتخابات النيابية سنة 2013، باعتبار ان احدا لا يتوقع تغيير الحكومة قبل ذلك ما لم يحصل ما ليس في الحسبان اقليميا او محليا. ومعلوم ان صياغة البيان مهمة من هذه الزاوية لان لكل كلمة مغزاها وابعادها، وقد تثير ما يمكن ان تثيره من خلافات في الداخل، اذ ان كلمة "التزام" القرارات الدولية مثلا مختلفة عن كلمة "احترام" القرارات الدولية. ولم يسلط الضوء في الداخل مرة على البيان الوزاري لاي حكومة بمقدار ما اخذ هذا الموضوع موقعه في الجدل السياسي على اثر حرب تموز 2006 وقيام "حزب الله" بخطف جنديين اسرائيليين كانا الذريعة للحرب التي شنتها اسرائيل على لبنان. وقد اثير جدل داخلي قوي على الاثر كان نقطة خلاف، وألقى الضوء على كل كلمة وابعادها في البيان الوزاري انطلاقا من مضمون اعتبره "حزب الله" مبررا لعمليته العسكرية في موضوع دعم المقاومة، في حين ان المقصود لم يكن يصب في خانة اتاحة المجال لاستدراج حرب جديدة على لبنان في رأي اطراف سياسيين آخرين.
ولهذا السبب يصر الحزب على اعتماد الصيغة السابقة للبيان الوزاري للحكومة السابقة، والذي استلزم احد عشر صيغة للبند 24 من البيان، اي البند المتعلق بسلاح "حزب الله"، مما يعني انه استغرق 11 جلسة في مدة 18 يوما لهذا البند وحده الامر الذي اثار انزعاجا لدى رئيس الجمهورية وآخرين في ذلك الوقت. ويصرّ الحزب وآخرون على اعتماد الفقرة نفسها باعتبار انها تحفظ له هامش الحركة والتغطية الرسمية والشرعية من السلطات اللبنانية، ولو لم يكن الكلام الرسمي المقصود صريحا او مشجعا في هذا الاطار وفق ما يراه خصوم الحزب او معارضو تمسكه بسلاحه، بمقدار ما يراعي الحساسيات والتوازنات الداخلية بالحد الادنى من الخلافات (وثمة من يتحدث عن اتفاق مسبق في اتجاه ايراد هذا البند من دون اي تعديل وهو ما سيحصل وفق ما تفيد بعض المعلومات). وفي المقابل، فان آخرين يرغبون وفق ما علم في عدم الاشارة مطلقا الى موضوع "المقاومة" باعتباره مطروحا على طاولة الحوار. والواقع ان ايراد البند في البيان يمكن ان يثير تحفظات هؤلاء، فيخرج البيان الوزاري من دون اجماع الوزراء المشاركين في الحكومة عليه، اقله وفق ما اوردت المعلومات الاخيرة .
وبحسب المعلومات نفسها فإن البيان الوزاري سيكون مقتضبا ولن يتخطى 12 الى 15 صفحة على ابعد تقدير، ولن يحتل الشق السياسي اكثر من 5 الى 6 صفحات في قضايا معروفة ومحددة، في حين ان اللقاء الثاني للجنة صياغة البيان يفترض ان يقدم خلاله الوزراء المشاركون افكارهم حول القضايا المعيشية والاقتصادية من اجل مناقشتها واخراج المبادئ التي سينص عليها البيان .
وتقول مصادر وزارية انه من المهم جدا ان تعكس المواقف حول البيان الوزاري نية تجاوز اي خلاف والسعي الى تهدئة الاجواء والنفوس والابتعاد عن التشنجات، ولكن لا يجوز في الوقت نفسه الايحاء ان لا قيمة لدى الافرقاء السياسيين للبرنامج الحكومي وكأنما البيان موضوع انشاء واجب وان التوافق من خارجه هو الاهم على ما توحي المواقف حوله من انطباعات. وأحد ابرز هذه الانطباعات نشأ بقوة عن الموقف الصريح الذي ادلى به الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله والذي دعا الى ترك الامور الخلافية لمعالجتها لاحقا بعيدا من البيان الوزاري ومجلس الوزراء، وهو امر لم ينفرد فيه في الواقع، وقاله سياسيون اخرون بطريقة او اخرى، لكنه ينطوي اتجاه خطير نحو تحويل مجلس الوزراء الى ما يشبه مجلس ادارة تنفيذي لمؤسسة او شركة هي طاولة الحوار التي ستبت في الشؤون والقضايا السياسية على ما يخشى كثيرون. وقد بات ان تكريس الاعراف الجديدة يأتي على حساب الدستور وينقل لبنان خطوة بعد خطوة الى نظام آخر غير ما اتفق عليه في الطائف وفق ما اقر بعض اقطاب المعارضة السابقة التي باتت متمتعة بكل مواصفات "السلطة والشراكة"، لجهة مساهمتهم في ارساء اعراف جديدة في النظام السياسي خلال العملية الاخيرة لتأليف الحكومة بغض النظر عن ايجابياتها. وليس خافيا ان التوافق من خارج مجلس الوزراء اساسي لبت اي مسألة تطرح عليه، لكن الامور لا تطرح وفق هذا الشكل ولا يجوز تكريسها الا في قضايا مصيرية ومهمة وليس لأي موضوع.
كذلك لا يجوز بالنسبة الى البعض اعطاء الانطباع للخارج ان لا قيمة للكلمة في لبنان على ما يؤخذ عادة على الدول العربية في شكل عام نتيجة اتخاذها قرارات توضع غالبا في الادراج من دون تنفيذ او مراجعة بعد حين.
وواقع الامر ان البيان الوزاري للحكومة يكتسب اهميته بالنسبة الى الخارج اكثر منه الى الداخل، اذ ان عواصم الدول المؤثرة والمهتمة بلبنان ترغب في ان ترى عبر البيان عمل الحكومة في المرحلة المقبلة، لأنه على اساس الكثير من هذه النقاط تتحدد المواقف من لبنان، كما هي حال الولايات المتحدة التي حددت ما تتطلع اليه في البيان الوزاري في برقية التهنئة التي وجهتها الى رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان بالنسبة الى القرارات الدولية، مذكرة بالـ 1559 و1680 و1701، شأن بعض العواصم الاخرى. وهذه الدول التي تؤمن بالبرامج السياسية عنوانا للمرحلة المقبلة تتطلع الى التعاون مع لبنان على هذا الاساس، اكان في الشأن السياسي ام الاقتصادي، وهو امر لا يستطيع لبنان الاستهانة به ولو سعى الى تدوير الزوايا في بعض الامور او عوّل على التعاطف الذي يحظى به لبنان لدى بعض الدول ايضا.