تباين سوري إيراني حقيقي أم صوري؟
مشهد الرئيس السوري بشار الاسد وهو يزور نظيره الفرنسي نيكولا ساركوزي في باريس للمرة الثانية في أقل من عامين، ومشهد "الحميمية" التي اراد ساركوزي ان يضفيها على اللقاء الثاني ينبئان بالتحول في المسار الديبلوماسي الفرنسي حيال الحكم السوري الذي أطلقه ساركوزي، خلافاً للمسار الذي انتهجه سلفه الرئيس جاك شيراك بدءا من عام 2004، وبلغ الذروة اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري في مطلع 2005. ومعلوم ان شيراك كان في نهاية التسعينات من القرن الماضي، وبتشجيع من الرئيس الحريري "تبنى" الاسد الابن في اول ايامه الرئاسية وحتى قبلها بفترة، وعقد عليه آمالا كبيرة في ان يكون مختلفا عن والده فيعمل على نقل سوريا البعثية من مرحلة التحجر التي كانت تعانيها في ايام الأسد الأب الأخيرة الى مرحلة تبدأ فيه بالعودة الى حضن المجتمع الدولي عنصراً بناء، بخلاف ما كانت قبلا، وهو ما شجع كل صنوف التنظيمات المسلحة الموسومة في القاموس الدولي ارهاباً. وكانت الديبلوماسية الفرنسية ايام شيراك تأمل في ان يقتنع الاسد الابن بأن السيطرة على لبنان بالشروط والظروف التي قامت منذ 1990 ما عاد ممكنا، وان المجتمع الدولي، ومعه الأسرة العربية لن يمكنهما القبول بتغطية حالة استثنائية كهذه. وكان المأمول من الاسد الابن ان يقدم هموم بلاده الداخلية على عقدة الدور الاقليمي التي باعدت في نمط الحياة المعاصرة بين المواطن السوري العادي وبقية العالم.
بالأمس دخل الاسد الابن للمرة الثانية قصر الإليزيه، والجديد انه في هذه المرة بات متحرراً من العديد من الاثقال التي كانت تعوق تطور علاقاته مع الفرنسيين، رغم براغماتية فريق الرئيس ساركوزي الباردة. فبين الزيارة الاولى قبل نحو سنة و زيارة البارحة تقدم الحكم السوري في العديد من المجالات ولا سيما في المجال اللبناني الذي انتهى بتفاهمات مع السعوديين أدت الى حصر التدخل السوري المباشر في الانتخابات النيابية في حزيران 2009 ضمن حدود منطقية قياساً بالتدخلات السابقة، وضبط الاخلالات الامنية التي يهواها السوريون في لبنان في حدود المعقول قياسا بمرحلة الاغتيالات و التفجيرات والصدامات الاهلية التي لم يكن الحكم السوري بغريب عنها. ثم اتت مرحلة تشكيل الحكومة اللبنانية وما كانت دمشق بعيدة عن العرقلة في التكليف الاول، الى ان كانت القمة السعودية – السورية التي تهم الاسد أيما اهتمام، ففتحت الابواب امام ولادة الحكومة في الوقت الذي مانعت فيه ايران الى ان قبلت كما اشارت اكثر من جهة ديبلوماسية عربية في بيروت، نزولاً عند الاصرار السوري الذي وضع حداً لعرقلة "حزب الله" من خلال الجنرال ميشال عون. واليوم يعتبر الفرنسيون ان الرئيس بشار الاسد وفى بوعده لفرنسا وللسعودية. ولا ننسى ان ثمة نقاشا في اوساط الحكم السوري حول مكانة سوريا في لبنان بعدما ورث "حزب الله" عنها دور الناظم للحياة السياسية، و بعدما أثبت الحزب انه كممثل للمصالح الايرانية صار بعد 2005 الطرف الاقوى في معادلة التحالف السوري – الايراني في لبنان.
حتى في قضية الباخرة " فرانكوب" المحملة السلاح، ثمة معلومات استخباراتية جرى تداولها في الايام القليلة الماضية في بيروت، ان الاجهزة السورية ابلغت نظيرتها الفرنسية بموضوع الباخرة، وانتهى الأمر باعتراضها من الاسرائيليين!
في مكان آخر، وفيما ترتفع حدة التوتر بين الايرانيين والسعوديين على خلفية قيام طهران بتغذية النزاع اليمني الذي بدأ داخلياً بين السلطة المركزية وجماعات الحوثيين في الشمال، وانتهى اليوم نزاعاً اقليمياً بامتياز يتداخل فيه المعطى اليمني مع المعطيين الايراني والسعودي على حد سواء، وفي وقت تعتبر فيه السعودية انها في حرب غير مباشرة مع ايران الاسلامية، وتتهيأ لصدامات خلال موسم الحج المقبل، تخرج سوريا مع بدء المواجهات داخل الاراضي السعودية بموقف مؤيد للرياض يتجاهل تماماً ذاك الذي عكسه وزير خارجية ايران منوشهر متكي في شأن ازمة اليمن، محذراً من أن "نيران الازمة ستطول من ينفخ فيها" واعتبر بمثابة تحذير للسعوديين الذين بردة فعلهم العنيفة على التسلل الحوثي الى "جبل دخان"، و قيامهم بحصار بحري للشواطئ الشمالية لليمن تسبّبوا بخلخلة فعلية للموقف العسكري للحوثيين.
في مكان آخر ثمة أمر محير: ايران التي توحي مواقفها من اتفاق جنيف – فيينا الذي جرى حول نقل اكثر من 70 في المئة من مخزونها من الاورانيوم الى روسيا ومن ثم الى فرنسا لتخصيبه للاغراض المدنية، انها تتنصل وتحاول كسب مزيد من الوقت بإطالة امد التفاوض وادخال تعديلات تفرغ الاتفاق من مضمونه مثل نقل الاورانيوم على دفعات تمتد سنتين. ايران هذه تتجه الى صدام مع الادارة الاميركية الجديدة التي سيتعين عليها في مدى قصير ان تضع على الطاولة الخيارات الصعبة مع ايران (عقوبات + اجراءات عسكرية)، وفيما تزداد علاقات فرنسا توترا مع طهران بسبب مواقف الرئيس ساركوزي المتشددة بشأن الملف النووي، وفيما تبدو المسارات السلمية مستحيلة بوجود الحكومة الاسرائيلية اليمينية، يتقدم الرئيس السوري في اتجاه التفاوض، ويذهب الى حدّ إسداء تركيا "نصيحة" في حديث الى جريدة "حرييات" بأن تحسن علاقاتها مع اسرائيل اذا كانت تنوي اداء دور فعال في مفاوضات سلام بين سوريا واسرائيل.
هذه عينة من اشارات يقرأها مراقبون على انها ترجمة الافتراق بين الخيارات السورية وتلك الايرانية في العديد من الملفات والقضايا، ولكن الافتراق المشار اليه غير معروف الملامح ولاتزال آفاقه مجهولة، مع اعتقاد عواصم فاعلة في المنطقة ان الافتراق بين دمشق وطهران وهم وتوزيع للادوار.