حكومة الصبر الجميل
قالوا.. "وأخيراً تألفت الحكومة". ونقول "وبدايةً تألفت الحكومة" برئاسة الشيخ سعد الحريري.
ولا يعني ذلك بداية مرحلة جديدة، أو نهاية أخرى. أو ما بين بين. ولكن لأن ترؤس زعيم الأكثرية هذه الحكومة، وبعد الانتخابات النيابية المشهودة وبعد مراحل مخاض عسيرة ومتعثرة وشائكة، وبعد تشابكات بين الداخل والخارج، والداخل والداخل، والخارج والخارج والأقلية والأكثرية، يعني انَّه، لا بدّ من ان يكون ذلك مشروعاً لمشروع آخر في مقاربة الحكم. ولأن ذلك يعني ان مجيء ابن الرئيس الشهيد رفيق الحريري "خلفاً ديموقراطياً وشعبياً وأكثرياً لوالده، ان الديموقراطية مهما "ابتُسرت" أو "اعتُسفت" أو "جُوفِيتْ"، فإن القوة العادلة للشعب هي المرجحة، والقادرة والراجحة في ميزان القوى والتناقضات. وقوة الشفافية، تلك، التي يصعب قهرها بأي نوع من القهر، والغاؤها بأي وسيلة من الضغط.
فلا أحد قادرٌ على الالغاء عندما يكون للناس الحضور السلمي الطاغي، ولا أحدٌ قادر على "محو" من نبتت له جذور في السماء وفي عمق الناس. وكان يكفي أن تشاهد الشيخ سعد الحريري في دخوله السرايا، لنتذكر مشهدية والده ذاتها. ربما بالنظرة ذاتها. وبالمشية ذاتها. وبالحنين ذاته: المشوب بدمعٍ، لكن ايضاً بالتطلع المفعم. لحظة نهاية تلتبس بلحظة ابتداء لتشكل ما يُسمى: انتصار التاريخ" على الوقائع، والكل على الجزء، والحدث على الحادثة، لحظة عاطفية لكن بعمق سياسي. انه الدخول من الأبواب المشرعة والمفتوحة، بايقاع جمهوري، ودستوري وبرلماني، انه الدخول المتجدد في الديموقراطية ولو على حذر.ذلك ان هذه الحكومة التي تألفت بعد التكليف الثاني للحريري، عرفت في مخاضها ما لم تعرفه حكومة أخرى، من تجاذب، ومناورات وضغوط ومطالب واثبات وجود، كأنها ساحة تبارى فيها الجميع "من كل لِسْنٍ وأُمة" ليؤكدوا احياناً ما لهم، وأحياناً ما ليس لهم. وفي تلك الدروب الوعرة، التي امتدت خمسة أشهر، من المعاناة، والشدائد كان هناك زمن الصابرين. او الأحرى زمن الصبر والصابر صِبر الرئيس المكلف الذي اجترح من الصبر صبراً ، ومن التحمل تحمّلاً، ومن الاستيعاب استيعاباً، ومن الصمود صموداً، حتى "أزِفت" ساعة "الحلحلة" ورأت الحكومة النور بأعضائها كأنها حكومة الصبر الجميل. والماراتونية التي لا تتعب ولا تكل.
حكومة الصبر هذه، تضع بيانها الوزاري. وترسم ما ترسم من خطوط لأفكارها ومشاريعها وخططها، تحت شعار "الوحدة الوطنية" أو "التوافق" أو الانسجام.. أو "الذوبان" في مصلحة الوطن دون "سواه". وعندما نقول وحدة وطنية (على الأقل بما نتمناه أو نفهمه) فلا يعني سوى أن تكون عندنا حكومة واحدة نالت ثقة مجلس نواب واحد بمرجعية واحدة هي النواب. ويعني ذلك ان لا تكون هناك حكومة داخل الحكومة، او حكومة خارج الحكومة.. أو حكومات موزعة، على غير تماس، او على تضاد، لكيلا نقول على تنافر أو تناكر. واذا اعتبرنا ان الكل (تقريباً) موجود وممثل (وبحسب ما "أراد" فيها، فيعني ان هذا الكل لا يُحسب له ان يتفرق في اجزاء وعصائب تتلاغى، او تتخلى عن كونها عناصر في هيئة دستورية واحدة. ونتذكر أنه عندما ألفً الرئيس السنيورة حكومته الثانية كتبنا مقالة في هذا المكان بالذات عنوانه " حكومة واحدة لا حكومتان" وهنا نشهر صيغة الجمع فنقول "حكومة واحدة.. لا حكومات". وفي مثل هذا القول ان التضامن الوزاري لا يعني التخلي لا عن التمايزات، ولا عن نكهة التعدد، ولا عن سبل الاختلاف، ولا عن أسس "المبادئ" والثوابت أو ما يسمونها "العناوين الكبرى" بل ان تشكل هذه التمايزات بمنحاها التفاهمي والديموقراطي غِنىً في المقاربة، واثراءً في المعالجة، وموضوعية مرتبطة بالواقع والوقائع والنوازع في تبادلية خلاقة. وهذا بالذات اذا تمّ (وهو لم يُسمح له ان يتم في الحكومات السابقة) فسيؤثر ايجاباً في طبيعة تعامل الناس والشارع، بالعدوى والقابلية وصوغ ادوات "نقدية" وفكرية ومجامع وطنية قائمة على التوحيد بالتعدد، والعقلانية بالايمان، بعيداً عن التفافات جغرافية أو كانتونية أو طائفية ومذهبية. بمعنى آخر، انه عندما يكون لهذه الحكومة أو لسواها سقف واحد هو سقف الشرعية الديموقراطية والتمثيلية، فيعني انها تتحرك تحت سقف الدولة، والجمهورية بقِيمَها والمؤسسات والزاماتها والدستور وقوانينه وبنوده. انها الدولة بكل بساطة يناط بها كل شيء: من القضايا المعيشية فالى القضايا الفكرية.. والسيادة والقرارات الكبرى عبر هيئاتها التشريعية.. والتنفيذية وغطائها الجمهوري الشامل بشخص رئيس الجمهورية. انها لعبة "الآنية المتصلة" والمفتوحة على بعضها والمتداخلة بخلائطها وكيميائياتها، انها افتراضاً حكومة الدولة الواحدة والبرلمان الواحد والجمهورية الواحدة والشعب الواحد، لا حكومات في حكومة، ولا برلمانات في برلمان، ولا رؤساء في رئيس ولا رئيس في رؤساء ولا دول في دولة، ولا سيادات في سيادة ولا استقلالات في استقلال. صحيح اننا، حتى الآن، لا نستطيع في مصانعنا غير المكتملة التجهيز، صوغَ حكومة "صُنِع في لبنان" كلها، ولا صوغ ارادات صنو ما لا يفترق عن الجذور والمآلات ولكن نستطيع (وبالموجود) وان في الحدود المعينة صوغ جمهورية تهيئ لجمهورية لبنانية كاملة الانفاس والقلب والرئتين والأرحام، تماماً كما حدث مع حكومتي السنيورة اللتين هيأتا مقومات اساسية لبناء صروح وطنية ثابتة في شرعيتها وتشريعيتها، برغم كل ما تعرضت له من مشاقّ وحروب وأحداث ومعوقات. كانت ملامح في طريق التأصيل، تأصيل ما اقتلع على امتداد أربعة عقود. تأصيل حلم كان قد تبدد في كوابيس الخراب السابق، تأصيل تضحيات دفع ثمنها الألوف.. وكان آخرها استشهاد الرئيس الحريري… والشهداء الآخرون. اذ إن في كل مقولة رواسب ما مضى. وفي كل مُبادأة بذورَ نهايات. وهذا ما قصدنا عندما قلنا انه "وبداية" حكومة جديدة لا وأخيراً.. انها بداية تبدأ من كل ما عرفه لبنان على امتداد السنوات الأربعين الماضية. فلا بداية تبدأ دائماً من نفسها. أو من بداياتها "انها الأنظمة الانقلابية تُعدم الموجود والماضي.. لتعدم المستقبل باعتبار نفسها بداية البداية، أو نهاية النهاية لتلتبس بالأبد.. والأزل! والمعجزات والخوارق والقتل! والالغاء". وهكذا يمكن القول إن هذه الحكومة التي يقودها رئيس شاب للمرة الأولى، بطزاجته وشغفه ونظرته هي بداية آتية من نهايات، ونهاية في بدايات جديدة. وهذا ما يفسّر ان الملفات المعقدة والمركبة المطروحة منذ نهاية الستينات وحتى اليوم تنتظره كما انتظرت سواه. ملفات وتراكمات واشكالات تبدأ بقانون الانتخابات، ولا تنتهي بقضية المهجرين، مروراً بالطائف والدوحة والسلاح والمقاومة والاصلاح والبؤر الأمنية ودور الخارج والمحكمة الدولية والكهرباء والماء والخصخصة.. والمخدرات (كما ركز السيد حسن نصرالله في كلمته مساء الاربعاء). بمعنى آخرمحاولة قسمة التراكمات التاريخية والسياسية في بلورة الممكن، وكما يقال "الواقعي" بعيداً عن "ايديولوجيات" المستحيل، والمخيلات الخارقة والمعجزات. فقد امتلأت نفوس اللبنانيين بالشواغر "الابدية" المقيمة في ركام العهود وفي الملفات والبنود. لكن هل يعني ذلك استمساك المرحلي في انتظار الشائك ومثير الريبة والاختلاق والاختلاف والاحالة على شؤون البيئة وتفاصيل اليومي والهموم المباشرة، تحت لافتة صمود وتماسك في وجه المناحي الكبرى لا سيما الوافدة من العدو الصهيوني وبأي مرجعية وبأي قيادة وبأي قرار. أي محاولة "سد النوافذ" الصغيرة وترك البوابات الكبرى لحراس الزمن والحروب والسوائب والشوائب؛ ربما! لكن، الحكومة بامتداداتها أو باستخلاصاتها هي ايضاً مرآة لمن يمترأى فيها وشباك ايضاً لمن يتسلل اليها ومنصة لكل من ساعد في تأليفها. وعلى هذا يمكن الكلام على علاقتها بالظروف العربية المحددة والدولية المحددة والأزمات والصراعات. فهي لا تكون بؤرة مُنزّهة عما يحيط بها من قوى الداخل والخارج: فميزانها محكوم بالدقة وقرارتها مضبوطة بالحسابات "الكبرى" واجواؤها ليست بعيدة عن المناخات ولا عن الهبوب ولا عن المآتي. فلعبة التمايز مساحتها مرسومة بالبركار والمسطرة، وحدودها مرسومة بسياج معهود وكل خروج مفاجئ او طارئ عن هذه الخشبة المسرحية بنصها الموضوع هو خروج على ما يتطلبه "الواقع" و"الوقائع" وحتى النواهي. لكن هذا لا يعني اطلاقاً جعلها عربة اما بعجلات متعاكسة، او بعجلات مثقوبة، او بعجلات طيارة. فاذا كان لهذه الحكومة ممكنات الأطراف "المشاركة" فإن ومن ضمن الممكن ان تكون على "انفتاحها" على الخارج وحتى ارتباطاتها متماسكة في داخلها، مُتراصّة دون انفلات، او استيعاب، فلا تكون اشارة الخارج الى الداخل، ولا اشارة الداخل الى الخارج: أي لا تكون مجرد منصة يعود اليها كل الممثلين بكل النصوص المؤجلة، والسيناريوات "الخطرة" ويلعبون ويتلاعبون على مساحتها. وكما قال الرئيس الحريري: لن يكون لبنان ساحة للصراعات الخارجية على ارضه، بدءاً بالحكومة وتالياً بمجلس النواب وصولاً الى رئاسة الجمهورية. المهم ان حكومة الحريري الأولى، وفاتحته الى الحكم تحظى بنسبة اجماع لبناني وعربي ودولي وتحصنها بحسب تصريحات الجميع من الجنرال عون الى السيد نصرالله، الى سليمان فرنجية، الى النظام السوري والمصري والسعودي والفرنسي والأميركي.. والأمم المتحدة.. كأنها حكومة نالت ثقة البرلمانات العربية قبل نيلها ثقة البرلمان اللبناني، وحظيت باجماع مجالس النواب الأوروبية والدولية قبل دخولها الى حلبة مجلس النواب اللبناني، واكثر: قرّب تأليف الحكومة ما تباعد بين بعض الأنظمة العربية، لينعكس هذا التقارب "الفة" ووفاقاً بين الأطراف اللبنانية. حكومة التقارب العربي= حكومة الالتفاف اللبناني. وهذا ليس بقليل لا سيما اذا استمر هذا التضامن الخارجي ضماناً للتضامن الداخلي: أي الحكومي ويكفي ان يُبادر العدو الصهيوني الى تهديد لبنان بعد تأليف الحكومة لندرك كم "يؤذي" أي وفاق لبناني هذا الوحش الصهيوني الذي لا يتمنى سوى الخراب لنا. ولا يعمد سوى الى التخريب مستفيداً أحياناً كثيرة من التناقضات القائمة عندنا. اذاً، كل شيء مُهيأ للرئيس الحريري وحكومته النجاح في مهمة ادارة البلاد، وتنفيذ ما يمكن تنفيذه من مشاريع وخطط وحل ما يمكن حله من قضايا معلقة فهل نسميها حكومة الصبر الجميل، ام حكومة الانتاج، أو حكومة التآلف، أم حكومة الاصلاح وتنفيذ القرارات الدولية بما يجعلها فاعلة ومتكاملة. وهنا بالذات لا نعني ان تعمد الحكومة لا الى اختزال المسائل والقضايا ولا الى "تكبير الحجر": منزلة بين المنزلتين، اي ضمن أولويات ملحة ومطروحة بعيداً عن مزايدات من هنا، أو شعارات فضفاضة من هناك. والتزاماً بمسؤولية مشتركة وبانضباط وزاري بحيث لا تكون "حكومة" أخرى في الشارع ضد الحكومة الشرعية، تُعطل ما تقرره أو تلعب لعبة العنف والديماغوجيا وافتعال التحركات "الموجهة".. والسلبيات.
فهناك حكومة لها امتداداتها في السواد الأعظم من الشعب اللبناني حتى لنكاد نقول انها حكومة الكل في الكل، وحكومة تمثل الشعب كله: فالمعارضة والموالاة أو الأحرى 8 آذار و14 آذار موجودة كلها هنا، ومن الطبيعي ان تعكس وجودها هناك. ولكن هذا لا يعني إطلاقاً ردع اي احتجاج على أمورها وسياساتها وقراراتها. فكل حكومة ولو كانت اجماعية تخضع للنقد قبل كل شيء. وهذا جوهر النظام الديموقراطي ولا يعني ذلك ايضاً تواطؤاً معها تحت ذريعة ان المعارضة والموالاة ممثلتان فيها. ولكن نقصد التحركات المواربة الضاغطة في الشارع بايماءات الداخل الوزاري، وعبر اللجوء الى ما يفسد الديموقراطية، والسلم الأهلي.
سعد الحريري، زعيم الأكثرية، رئيساً للحكومات، بعد انتخابات اعترف بنتائجها الجميع. وهذا ليس بقليل. بل هذه اشارة الى ان الشعب، هو الحازم والحاسم في النهاية، في أمور الأقدار؛
ابن رفيق الحريري يخلف والده الذي اغتيل لمحو آثاره. ولكن ها هو ابنه، بكل تألقه الشعبي وبكل طزاجته الشبابية، وبكل صبره ليخوض تجربة أقلها الاستمرار في ترسيخ الاستقلال والعدالة والديموقراطية والإعمار.. والازدهار.