بينما ينشط ساركوزي بدأب للحصول على دور رئيسي لبلاده في المنطقة
لقاءات باريس الإسرائيلية والسورية لا تحمل تغييراً يحرك المفاوضات
لم يكن السياسيون في لبنان في حاجة إلى إعلان الرئيس السوري بشار الاسد من باريس بعد لقائه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي انه طلب من فرنسا ان تدعم الوساطة التركية للمفاوضات غير المباشرة بين سوريا واسرائيل للتثبت من ان الاستقبالات الفرنسية لكل من رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو في طريقه من واشنطن وللرئيس السوري بعد ايام اعطيت ما يتجاوز حجمها بكثير على صعيد احتمالات السلام. ولا يتصل ذلك بالانطباعات المختلفة لدى اللبنانيين عموما عن العلاقة بين لبنان وفرنسا عقب وصول ساركوزي الى الرئاسة الفرنسية، باعتبار ان الكثير تغير في ماهية العلاقة وطبيعتها بين البلدين، على رغم استمرار الاهتمام الفرنسي النسبي بالوضع اللبناني والحرص على دور فرنسي في رعاية هذا الوضع من منطلق اعادته الى ما كان دوما بالنسبة الى فرنسا، بلداً صغيراً مهماً لفرنسا في المنطقة ولكن دون تمتعه بالوضع المتمايز الذي كان له خلال ولايات الرئيسين فرنسوا ميتران وجاك شيراك عندما كان يعتبر نصف طاقم العاملين في وزارة الخارجية الفرنسية مهتماً بلبنان كاولوية مطلقة، بينما يهتم النصف الاخر بمتابعة الشأن السياسي في ما تبقى من الدول. كما لا يتصل ذلك أيضا بشعور الأفضلية التي يسعى الى تحقيقها الرئيس الفرنسي من خلال العلاقات مع سوريا، خصوصا ان الديبلوماسية الفرنسية تعتبر ان باريس نجحت في مقاربة سوريا على نحو خدم الوضع في لبنان مما دفع الولايات المتحدة الاميركية الى اللحاق بالمقاربة نفسها، علما ان الامر ليس كذلك بالنسبة الى الاميركيين الذين يعتقدون ان المقاربات الفرنسية تتسم بالخفة. وفي اي حال علم ان الرئيس الفرنسي يلح لدى رئيس الحكومة سعد الحريري لزيارة باريس قريبا في اطار الايحاء بالتوازن على الخط السوري واللبناني وفق ما يعتقد المتابعون، الامر الذي اثار تساؤلات ما اذا كانت باريس ستكون اولى المحطات الخارجية الرسمية للرئيس الحريري ام دمشق.
ويتصل الأمر بوجود معطيات ومعلومات متعددة لا توحي امكان نجاح ساركوزي في تحريك المفاوضات بين سوريا واسرائيل لأن أياً من البلدين لن "يبيع" هذه الخطوة للرئيس الفرنسي لاعتبارات خاصة بكل منهما، علماً ان رئيس الوزراء الاسرائيلي لا يتحمس غالبا لأي دور اوروبي من اي نوع وكذلك الرئيس السوري وان كان يرفع دوما شعار ضرورة انخراط اوروبا في عملية السلام في المنطقة واضطلاعها بدور رئيسي فيه، فهو لا يطرح اي امر جدي يساعد في تفعيل اي دور اوروبي في هذا المجال ويفضل الدور الاميركي وحتى الدور التركي غير البعيد عن الموقف الاميركي في الجوهر ولا عن السياسة الاميركية، لا بل يتعاطى الرئيس السوري والدور الاوروبي عموما على انه جسر عبور له الى الولايات المتحدة او بدل من ضائع اكان هذا الدور لفرنسا ام بريطانيا ام اي دولة اوروبية كبرى. وغالبا ما ينظر الى حركة الرئيس الفرنسي في هذا الاطار على انها للعلاقات العامة ولابقاء صورة فرنسا ودورها حيين في المنطقة.
وهذا الامر ينسحب الانطباع في شأنه على الحلفاء الاوروبيين لساركوزي كما على عدد كبير من الدول لا تأخذ حركة الرئيس الفرنسي واقتراحاته بما فيها عقد مؤتمر للسلام او جمع الدول في المنطقة على هامش الاتحاد من اجل المتوسط على محمل الجدية، بمعنى ان تحدث اي تغيير او تساهم في ادخال عناصر جديدة على المشهد السياسي في المنطقة.
ثمة عوامل اخرى تتصل باعلان نتنياهو موافقته على معاودة المفاوضات من دون شروط مسبقة وفق ما اعلن في باريس، وهذا تعبير يفهم منه عدم توافر الاستعداد لذلك، فضلا عن توافر معطيات تفيد ان الاسرائيليين لم يعودوا قابلين بالبحث عن تسوية في المنطقة على قاعدة "الارض مقابل السلام". فبحسب ما يتداول منذ بعض الوقت لم تعد هذه المبادلة تمثل الطموح الاسرائيلي، وهي غير عادلة بالنسبة الى اسرائيل لاعتبارها ان السلام الذي تبحث عنه مع سوريا قائم فعلا على الحدود السورية الاسرائيلية حيث الجبهة هادئة في الجولان المحتل. فلماذا تكون الارض وفق هذا المنطق بديلا من هدوء قائم ولا تشوبه شائبة؟ وتاليا تبحث اسرائيل عما هو ابعد من إعادة الارض الى سوريا والحصول على السلام معها وتنحو في اتجاه اعادة تموضع استراتيجي تقوم به سوريا على خط الابتعاد عن ايران. وهو امر لا يعتقد ان سوريا يمكنها توفيره وهي ليست مهيأة لذلك وان كان مراقبون لاحظوا تمايزا في المدة الاخيرة بين الموقفين السوري والايراني، ولكن دون ان يصل الى حدود ما يطمح اليه الاخرون.
هذا لا ينفي واقع ان التهدئة في المنطقة التي ترجمت في احد فصولها تأليفاً للحكومة في لبنان اخيرا هي خلاصة المفاوضات الغربية مع ايران واستمرار المحاولات لإحياء المفاوضات على صعيد المنطقة من جهة اخرى، وذلك على رغم التراجع في الموقف الأميركي اخيرا تبعا للمواقف الاخيرة لوزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون لدى زيارتها المنطقة أخيرا. لكن احدا لا يعتقد ان اي تحريك جدي يمكن ان يحصل عبر البوابة الفرنسية في أحكام مسبقة وشبه حاسمة على اللقاءات الفرنسية الاخيرة، مع الاسرائيليين والسوريين على حد سواء.