بين الحريري الابن والأسد الابن
ليس سرا ان التقارب السعودي – السوري الاخير عجل في ولادة الحكومة، فتدخل الحكم السوري بناء على وعود أطلقها ردا على تنازلات كبيرة قدمتها الغالبية النيابية بتشجيع من السعوديين، قطع الطريق على التعطيل المتمادي الذي اضطلع به الجنرال ميشال عون نيابة عن "حزب الله" الراغب في تحقيق المزيد من المكاسب على حساب النظام اللبناني. وليس سراً أن الغالبية النيابية الممثلة عمليا بالرئيس سعد الحريري ايقنت انه لن يسمح لها بأي ثمن من الاثمان ان تعكس انتصارها في الانتخابات النيابية في حزيران 2009 على الواقع الحكومي. وكان واضحا ان الغالبية ما عادت غالبية منذ ظهر الثاني من آب الفائت عندما اعاد النائب وليد جنبلاط تموضعه السياسي بخروجه العملي من صف الرابع عشر من آذار، وبقائه على تاييد الحريري ودعمه رهنا بسلسلة شروط أهمها التزام صيغة "حكومة الوحدة الوطنية". وكانت في مرحلة التكليف الاول طرحت مسألة زيارة سعد الحريري الرئيس المكلف لدمشق، وطرحت معها صيغ عدة مثل ان يقوم الملك عبد الله بن عبد العزيز بزيارة دمشق وتتم دعوة الرئيس ميشال سليمان والرئيس المكلف سعد الحريري الى لقاء رباعي ينهي قطيعة نصف لبنان مع الحكم السوري بقيادة الرئيس بشار الاسد. ولكن هذا المشروع بقي نظريا ولم يتحقق وجرى في ما بعد الانتقال الى صيغة اكثر منطقية تقضي بأن يقوم سعد الحريري بزيارة سوريا كرئيس للحكومة بعد ان يتم تشكيلها. وشاءت الظروف ان ينفذ السوريون وعدهم للسعوديين والفرنسيين بتسهيل تشكيل الحكومة بالحد من شهية "حزب الله" وعون، وبالضغط على الايرانيين كي يفرجوا عن الحكومة اللبنانية باعتبار انها لا تتهدد بأي شكل مشروعهم في بلاد الأرز، ولا تضعف ذراعهم فيه، وهم الطرف الاقوى على الارض والقادر على قلب الطاولة الحكومية متى استدعت الحاجة ذلك. وفي مطلق الاحوال خرج الحزب من معركة الحكومة مثبتا للمرة الثانية على التوالي عرف الثلث المعطل (المقنع)، وملقيا حجرا ثقيلا في "البركة الدستورية" اللبنانية.
اليوم عادت زيارة سعد رفيق الحريري رئيسا للحكومة لدمشق مطروحة. وهذا تحديدا ما يتمناه الرئيس السوري بشار الاسد بالنظر الى الملف الثقيل الذي يباعد بين الرجلين. فالشبهات في مسوؤلية الحكم السوري في اغتيال رفيق الحريري كبيرة وحيّة. والمحكمة الدولية لم تقلع بعد لتفصل الخيط الابيض عن الخيط الاسود. ثم ان الموضوع لا يتوقف على اغتيال الحريري وحده، بل ان السلسلة طويلة. حتى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي وهو يغرق في مدح ضيفه الرئيس السوري الذي حل ضيفا رسميا على فرنسا اشار الى توقف الاغتيالات بعد تحسن العلاقات اللبنانية – السورية، في ما يعكس وعيا فرنسيا ودوليا معينين لهوية الجهة المسؤولة عن الاختلالات الامنية في لبنان بين 2005 – 2008.
سعد الحريري لا تتملكه اوهام في ما يتعلق ببشار الأسد، لكنه يريد ان يميز بين دوره كرئيس لتيار سياسي ضخم يمثل غالبية عظمى من سنة لبنان، ويقود تيارا استقلاليا متنوعا، فضلا عن كونه ابن رفيق الحريري الذي قضى في انفجار 1800 كيلوغرام من المتفجرات في قلب بيروت وفي عز الوصاية الاحتلالية، وبين دوره وواجباته كرئيس للحكومة اللبنانية التي تمثل كل لبنان، كما تمثل مصالح كل اللبنانيين. استمرار الصدام المباشر مع الحكم السوري مؤداه الى مزيد من اللعب بأمن المواطنين، ومزيد من تآكل الدولة، في حين تبدي دمشق نوعا من التحول غير المكتمل في مقاربتها للعلاقات مع لبنان.
غدا وبعد ان تنال الحكومة الثقة، وبعد تلقيه دعوة رسمية لزيارة سوريا من الرئيس بشار الاسد وليس من رئيس الحكومة السورية ناجي العطري الذي يوازيه بروتوكوليا، لكن ليس سياسياً، سيقوم الحريري بترؤس وفد وزاري لبناني الى دمشق، ممثلا للبنان ومبقيا مشاعره وعواطفه جانبا. وسيكلفه الامر كثيرا على الصعيدين العاطفي والسياسي.
ومع ذلك يتفهم الاستقلاليون ان يزور الحريري سوريا رئيساً للحكومة، واضعا مسألة التحقيق في اغتيال والده في مكانها الصحيح، اي في لاهاي مقر المحكمة الخاصة بلبنان. ولن تكون الزيارة تبرئة للرئيس بشار الأسد من دماء رفيق الحريري بل تضحية يقدمها سعد رفيق الحريري للمصلحة اللبنانية العامة.
أملنا ان تكون زيارة رئيس التيار الاستقلالي اللبناني العريض لدولة الوصاية السابقة مناسبة لترسيخ علاقات اكثر ندية بين الحكم السوري والدولة اللبنانية تقوم على الفهم المتبادل والحس بالمسؤولية. وأما الحب فمؤجل!