#adsense

العلاقات مع سوريا تعود مميّزة بتنفيذ المطالب

حجم الخط

قمة واحدة بين شهاب وعبد الناصر أرست قواعد الاستقرار
العلاقات مع سوريا تعود مميّزة بتنفيذ المطالب

منذ أن عقد الرئيس فؤاد شهاب قمة بينه وبين الرئيس جمال عبد الناصر في خيمته على الحدود اللبنانية – السورية كانت تلك القمة الوحيدة كافية للاتفاق على كل شيء ولم تعد ثمة حاجة الى عقد اي قمة ثنائية اخرى اذ ارست فيها معادلة ثابتة شكلت صمام امان للاستقرار في لبنان، واحترام سيادته في مقابل تفاهم على ان لا تتعارض السياسة الخارجية اللبنانية مع السياسة العربية والدولية التي تنتهجها الجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا) مع العالم الخارجي. وقد وعد الرئيس عبد الناصر شهاب بان يسعى مع الجماعة التي تتعاطف معه في لبنان كي لا تخلق اي مشاكل للحكم والسلطة، فيما تعهد الرئيس شهاب في المقابل بانه لن يدخل في اي احلاف مناقضة لتطلعات الرئيس عبد الناصر وللقوى الاسلامية والقومية، والتزام الخط العربي العام المواجه لاسرائيل.

وقد التزم كل من الرئيس عبد الناصر والرئيس شهاب ما اتفقا عليه، فبدا شهاب من جهته منفتحا على العالم العربي بقدر ما كان متمسكا بكرامة لبنان وسيادته واستقلاله ودعم القضايا العربية من غير الانزلاق الى الانحياز الى طرف ضد آخر، واعتباره السياسة الخارجية لكل بلد انعكاسا لظروفه الداخلية، لانه عندما لا تؤخذ هذه الظروف في الاعتبار، فان البلد يسير نحو الخراب. واعتمد الرئيس عبد الناصر من جهته حدودا لتدخله في شؤون لبنان الداخلية وحصر تعاطيه بالدولة وليس بفريق في لبنان بمعزل عنها.

وتدليلا على مدى حرص الرئيس شهاب على كرامته وموقعه وعلى سيادة لبنان، فانه عندما حطت الطوافة التي تقل الرئيس عبد الناصر على بعد 54 مترا داخل الاراضي السورية، نظر رئيس المخابرات السورية عبد الحميد السراج الى الرئيس شهاب وقال له: الا تود ان تستقبله يا فخامة الرئيس؟ فأجابه: "كيف لي ان استقبله في بلده ثم لا تنسى ان سيادة الرئيس قبل وصوله الى السلطة كان عقيدا اما انا فكنت لواء". (مذكرات فؤاد بطرس).

ثمة من يقول ان الظروف المحلية والعربية والاقليمية والدولية زمن الرئيس عبد الناصر وتحديدا زمن "الجمهورية العربية المتحدة" تختلف عن الظروف التي اعقبت تلك الحقبة، وصار تعاطي سوريا مع لبنان مختلفا خصوصا بعد انهيار وحدتها مع مصر وبعدما دخلت قواتها الى لبنان لوقف الاقتتال فيه وفرضت حكم الوصاية عليه. وكان رؤساء جمهورية لبنان يعقدون قمما عدة في سوريا مع الرئيس حافظ الاسد ثم مع نجله الرئيس بشار الاسد ولا سيما خلال عهود الرؤساء امين الجميل والياس الهراوي واميل لحود، علما ان الاخير كان يستعيض عن عقد قمم عديدة باتصالات هاتفية يجريها مع الرئيس الاسد كل اسبوع. ومع ذلك فان الرئيس الاسد لم يرد الزيارات العديدة لرؤساء لبنان الا مرة بحجة ان الظروف السياسية والامنية التي كانت سائدة لم تسمح بذلك.

وها ان الرئيس ميشال سليمان يزور الرئيس الاسد للمرة الثانية، وكانت زيارة سريعة وخاطفة وصفها البعض بانها لم تكن زيارة عمل بل زيارة شكر على المساعدة التي اسداها الرئيس السوري لتسهيل تشكيل حكومة وحدة وطنية ودعم مواقفه وجعل هذه المساعدة تاليا دليلا على تغيير سلوك سوريا حيال لبنان مما يوفر النجاح لمحادثات الرئيس الاسد في باريس مع الرئيس نيكولا ساركوزي عند التطرق الى الوضع في لبنان.
والسؤال المطروح هو: هل تحتاج اعادة العلاقات اللبنانية – السورية لتكون مميزة، الى عقد اكثر من قمة بين الرئيس سليمان والرئيس الاسد، كما حصل مع رؤساء سابقين كي يتم التوصل الى ارساء هذه العلاقات على اسس ثابتة وواضحة بحيث يعرف كل منهما ماذا يريد من الآخر فلا تظل هذه العلاقات عرضة للاخذ والرد ولما يعكر صفوها؟

لقد نص اتفاق الطائف على ان تقوم بين سوريا ولبنان "علاقات مميزة تستمد قوتها من جذور القربى والتاريخ والمصالح الاخوية المشتركة، وهو مفهوم يرتكز عليه التنسيق، والتعاون بين البلدين تجسده اتفاقات بينهما في شتى المجالات بما يحقق مصلحة البلدين الشقيقين في اطار سيادة كل منهما واستقلاله، ولان تثبيت قواعد الامن يوفر المناخ المطلوب لتنمية هذه الروابط المميزة، وعليه، فان لبنان لا يسمح بان يكون ممرا او مستقرا لاي قوة او دولة او تنظيم يستهدف المساس بامنه او امن سوريا، وان سوريا الحريصة على امن لبنان واستقلاله ووحدته ووفاق ابنائه لا تسمح باي عمل يهدد امنه واستقلاله".

الا ان ما حصل هو ان امن لبنان لم يكن من امن سوريا ولا استقرار سوريا كان من استقرار لبنان اذ انه تعرض لاعمال عنف وتفجيرات واغتيالات واستمر تهريب الاسلحة وتسلل العناصر المشبوهة اليه عبر الحدود، فكانت احداث نهر البارد وغيرها من الاحداث، ولم يتم تسليم من يجب تسليمهم الى السلطة اللبنانية بتهم الاعتداء على الجيش اللبناني وعلى غير الجيش، رغم ان الاتفاقات الامنية والدفاعية المعقودة بين البلدين تنص على ذلك وعلى غيرها من الاجراءات التي تحفظ الامن.

لقد تم الاتفاق في القمة الاولى في آب 2008 بين الرئيس سليمان والرئيس الاسد على اقامة علاقات ديبلوماسية بين البلدين على مستوى السفراء، وقد تم ذلك، وعلى ترسيم وتحديد الحدود اللبنانية – السورية وفق آلية وسلّم اولويات يتفق عليها بين الجانبين (لم تظهر نتائج ذلك حتى الآن)، وعلى قيام عمل مشترك لضبط الحدود ومكافحة التهريب والاعمال المخالفة للقانون (لا تزال الحدود المشتركة غير مضبوطة)، وعلى تفعيل اللجنة المشتركة المتعلقة بالمفقودين من الطرفين واعتماد الآلية الكفيلة بالوصول الى نتائج نهائية بالسرعة الممكنة (لم يتحقق شيء ملموس بعد) وعلى اعادة النظر بالاتفاقات المعقودة بين البلدين ولا سيما ما يتعلق بمصير المجلس الاعلى اللبناني – السوري.

وأعرب الجانبان اللبناني والسوري في ختام القمة عن حرصهما على استمرار التنسيق والتشاور بينهما وتبادل الزيارات حيث وجه الرئيس سليمان دعوة للرئيس الاسد لزيارة لبنان فوعد بتلبيتها (لم تتم حتى الآن) وجاء في البيان الرسمي السوري الذي صدر بعد القمة الثانية "ان الجانبين اكدا ارتياحهما الى تطوير العلاقات وعزمهما على مواصلة التنسيق والتشاور في القضايا ذات الاهتمام المشترك والاستمرار بالارتقاء بعلاقات التعاون بين الجانبين الى المستوى الذي يطمح اليه الشعبان الشقيقان"، فيما اكد البيان الرسمي اللبناني دعم الرئيس الاسد للرئيس سليمان.

فهل تكون زيارة الرئيس سعد الحريري المرتقبة لدمشق ولقائه الرئيس الاسد زيارة تعارف بروتوكولية ام زيارة عمل لها جدول بمواضيع البحث كي تأتي مفيدة ومثمرة، وتضع اسسا ثابتة لعلاقات مميزة وممتازة بين البلدين وتقوم على الاحترام المتبادل لسيادة واستقلال كل منهما، على ان تكون هذه العلاقات من دولة الى دولة، وليس من دولة مع جماعات او افراد، لنصرة فئة على اخرى وتلقي التوجيهات التي تربك السلطة وتسيء بالتالي الى العلاقات؟

لقد تم حتى الآن تبادل التمثيل الديبلوماسي بين لبنان وسوريا وهو لا يزال شكليا وباردا، وخاليا من اي مضمون، ولم تتحقق المطالب الاخرى الواردة في القمة اللبنانية – السورية الاولى ولا القرارات الباقية التي صدرت بالاجماع عن مؤتمر الحوار عام 2006 اذ ان في استجابتها ما يؤسس لعلاقات ودية ومميزة، وما يؤكد حسن نية سوريا حيال لبنان واللبنانيين، فهل تكون القمة اللبنانية – السورية الاولى والثانية ثم زيارة الرئيس الحريري الاولى المرتقبة اول الغيث واولى الخطوات على طريق اعادة العلاقات الى طبيعتها؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل