الـ1559 والـ1680 والـ1701 تحدد إطار "المرحلة الانتقالية" التي يعيشها لبنان منذ العام 2005
القرارات الدولية الثلاثة مرجعية واحدة متكاملة
إذا ذكر قرار دوليّ واحد من "الثلاثيّ" 1559 و1680 و1701 فكأنّما ذكرت القرارات جميعها. تماماً مثلما أنّ "استفراد" قرار واحد من هذا الثلاثيّ هو طعن بالقرارات الدوليّة جملة.
فالقرارات الدوليّة 1559 و1680 و1701 تشكّل "مرجعيّة نصّية موحّدة" تتحقق في إطارها حركة الاستقلال اللبنانيّ الثانيّ وتحدّد على أساسها علاقة لبنان مع جارته سوريا وعدوّته اسرائيل، مثلما تتحدّد الخطوط العريضة لبداية حلّ الأزمة الداخليّة، من حيث هي أزمة ناشئة عن عدم تحقّق إجماع وطنيّ حول احتكار الدولة اللبنانية لمنظومة العنف الشرعيّ.
القرارات الدوليّة 1559 و1680 و1701 هي هي مبادئ الحركة الاستقلاليّة، وقد سبغت بطابع القانون الدوليّ. تمنح هذه القرارات الحركة الاستقلاليّة ضمانة وجود وضمانة استمرار. المواكبة الدوليّة لنضالات اللبنانيين دفاعاً عن الديموقراطية أو لنيل الاستقلال قد تزيد أو تنقص. أمّا القرارات الدوليّة فتبقى ماثلة أمامنا، ثابتة مثّبتة بقطع النظر عن درجة الإهتمام الدوليّ أو عن منسوب الحراك الداخلي، وهي على هذا النحو تضع حدّاً لا يستطيع اللاعبون المحليّون والإقليميّون والدوليّون الإفلات منه.
أي أنّ هذه القرارات ترسم أفقاً للسياسة اللبنانية ليس بمقدور أحد تجاوزه، كما أنّها تعطي، ولأوّل مرّة منذ استقلال لبنان الأوّل عام 1943 ضمانات "وقائيّة" لهذا البلد من لعبة الأمم، ومن حسابات "الصراع" أو "التسوية" الإقليميّتين.
وهي تعطي ضمانات "تحصينيّة" للحركة الاستقلاليّة لمجرّد أن توصيف الوضع اللبنانيّ وفقاً لهذه القرارات هو توصيف "الوضعيّة الإنتقاليّة". يجتاز البلد مرحلة انتقالية من زمن الوصاية ومصادرة القرار إلى زمن الاستقلال وإنتاج القرار الحرّ. والقرار الحرّ لا "يرتجل"، بل هو يتطلّب مرحلة تاريخيّة كاملة كي يتبلور ويؤكّد نفسه في كافة الميادين وبخصوص كافة الملفّات، وفي طليعتها تلك التي تتصل بقلب المسألة السياديّة، أو كما قلنا مبدأ إحتكار الدولة لمنظومة العنف الشرعيّ، أو على الأقل سيادة الدولة على كل أشكال العنف المنظّم فوق أراضيها، أي في نهاية الأمر تحمّل الدولة مسؤوليّتها أمام كل تسلّل للعنف وأهله من وإلى أراضيها.
وإذا تخوّف كثيرون، عن سوء نيّة أو عن وجه حق، من تدهور الوضعية الإنتقاليّة هذه إلى الوراء، فاسترسلوا في توّهم إرتدادات وشيكة نحو زمن الوصاية وتجليّاتها الثقافيّة والسياسيّة والأمنيّة، فإنّ هذه القرارات هي التي تشكل إطاراً يقف بالمرصاد، ويحمي اللبنانيين من أنفسهم ومن الآخرين.
وإذا كانت قوى الممانعة تلعب دائماً لعبة فصل كل قرار عن الإثنين الباقيين، وإنتزاع كل بند من سياقه ومما يسبقه أو يأتي بعده، فإنّ منطق التعامل الاستقلاليّ مع القرارات الثلاثة ينبغي أن يكون منطق الإصرار على "المرجعيّة النصيّة المتّحدة" من وجهة نظر القانون الدوليّ والمجتمع الدوليّ. ويكفي أن تذكر مرجعيّة قرار من الثلاثة حتى ينسحب الأمر إقراراً لمرجعية القرارات الثلاثة. فالعلاقات الدبلوماسية وترسيم الحدود (القرار 1680) نتيجتان منطقيّتان للجلاء الأجنبيّ عن لبنان. وحلّ الميليشيّات الوارد في القرار 1559 ليس هناك من مدخل "عمليّ" إليه غير القرار 1701، وما يخلقه هذا الأخير من "وضعيّة جديدة" قدر ما هي مركّبة وملتبسة جنوب نهر الليطانيّ، ومن إرتدادات لا تقلّ تعقيداً والتباساً لهذه الوضعيّة الجديدة على الداخل اللبنانيّ، منذ آب 2006 وإلى اليوم.
والقرار 1559 لا إجماعَ وطنيّاً حوله، ولم يكن أحد ينتظر واقعيّاً حدوث هكذا إجماع. وهذا القرار ينقسم إلى شقيّن. شقّ تحقّق بنتيجة الجلاء السوريّ عن لبنان. وشقّ صيغ في قرارين دوليين تاليين، هما الـ1680 والـ1701. بالتالي يكفي تأكيد الالتزام بتطبيق القرارين الأخيرين حتى يكون القرار 1559 نال حقّه. والحقّ أن لبنان الرسميّ لم يرفض القرار 1559 يوماً، ولو أنّ الإنشطار الداخليّ حوله بدأ كبيراً، واستمرّ كبيراً. أمّا القرار 1701 فكان ثمّة إجماع وطنيّ حوله، ولم تتوقف الحرب على لبنان إلا بعد أن تحصّن البلد بالإجماع الوطنيّ على هذا القرار، ولو أنّ بعض هذا الإجماع عمد إلى ربط احترام مرجعية هذا القرار بالإلتزام عمليّاً بما يناقضه.
وحكومة الوحدة الوطنية اللبنانية مفترض فيها أن تدوّن إجماعات اللبنانيين قبل كل شيء آخر، والقرار 1701 يدخل ضمن هذا الإطار، والمهمّ أن يتفلّت قدر الإمكان من أيّ جملة اعتراضية تقوّضه بشكل أو بآخر.
أما ترسانة "القرارات الثلاثة" فتبقى ملك الحركة الاستقلالية ككل، وإذا أرادت هذه الحركة إحياء ديناميتها، وتجديد فكرها، وإبداع شكل تنظيميّ وتعبويّ جديد، فعليها بالتملّي في هذه القرارات، وفي ما يربط بينها، وفي ما ترسمه هذه القرارات من تصوّر لـ"مرحلة انتقالية كاملة" يجتازها لبنان، ويعبر من خلالها من زمن إلى الآخر.